المهندس فكرت
" لعلك افضل من تعامل مع جهاز كومبيوتر فيه عطل ما ..فالأمر لا يستعصي عليك مهما كان ؛ لقد حملت جهازي الى ثلاثة قبلك وحاولوا به كثيرا دون ان يتمكن أحد منهم من معرفة العلة ويصف علاجها ويعيد الي جهازي كما كان ..إلا أنت ..الرابع ..كان بالنسبة إليك كشربة ماء خلال دقائق عرفت العطل وأصلحته ..انك حقا مهندس كومبيوتر وخبير وتستحق ما تطلبه من اجره فكم تريد "؟.
كان يمسك بالريالات العشرين وهو جالس على كرسيه يستريح قليلا و يتأملها ويبتسم..ويتساءل: ماذا كان يقول هذا الرجل لي ؟.
وابتسم ثانية بسخرية من الأيام والظروف التي عاشها ..وامسك كأس الشاي وقربه من فمه. ومع طعم الشاي "الكرك " تذكر ذاك اليوم الفاصل في حياته ..
-"اجلس !"..
وتذكر كيف جلس كما أمره ثم امسك كأس الشاي يومها كما أمره أيضا وقربه من فمه ثم توقف فزعا ورد عليه :
= ولكن هذا لا يجوز فأنا فراش وأنت موظف كبير ولا يجوز أن اجلس معك ومثلك لاشرب معك الشاي هذا ما "يصير" !!.
توقف وترك كأس الشاي وتابع :
= بتأمر على شيء ثاني ؟..
وانصرف ..فناداه ثانية :
- قلت لك اجلس واشرب معي الشاي فأنا لا احب ان اشرب الشاي وحدي ..
= ولكن أنت !..وانا ..؟.
- قلت لك اجلس كل ما تقوله لا يهم فأنا أنا وأنت أنت سواء أجلست أم وقفت فلا أنت ستصبح موظفا كبيرا ولا أنا سأصبح فراشا..هيا اجلس ولا تتردد وخذ كأس الشاي ولنتحدث لبضع دقائق.
"فكرت" .."فكرت" ..تعال اعطني قهوة !!.
= هل سمعت انهم ينادون علي ولا أستطيع ان اجلس معك .
- حسنا قبل ان تذهب أوقف ذاك الكومبيوتر عن العمل!.
= وكيف أوقفه ؟.
- فقط اضغط على على الزر الجانبي فيتوقف عن العمل ! .
= ولكن الكومبيوتر مسؤولية وأخشى ان أخربه إذا لمسته بيدي !.
- لا تخف هيا هيا ليس عليك ان تصبح مهندسا للكومبيوتر لتوقف الجهاز عن العمل فأنت ذكي فلا تخف هيا ..
"كان يوما فاصلا في حياتي فلاول مرة ألمس جهاز كومبيوتر بيدي والفضل يعود للأستاذ محمد" و..ويستطرد في التذكر ..ويتوقف عند اللحظات التي استدعاه فيها مسؤول العمال وابلغه انهم استغنوا عنه من عمله كفراش وعليه ان يتدبر أمره اعتبارا من الغد وان يبحث عن عمل آخر في مكان آخر ولا مانع عندهم يمكن ان يعطونه موافقة على نقل الكفالة حسب المتبع !!.
" أستاذ محمد .. انهم استغنوا عني في العمل لقد "فنشوني" اليوم وليس لدي أي مكان اذهب إليه ويجب فوق ذلك ان أرسل المال لاخوتي ووالدتي في البلاد انهم يعيشون وينفقون مما أرسله لهم من راتبي رغم انه لا يكاد يكفيني ولكن يمشي الأمور فماذا افعل؟؟.. يالله .."
ولا ينسى تلك اللحظات وعبارات الأستاذ محمد التي بددت الظلام الذي شعر به وحوله الى نور وتفاؤل عندما قال له :
- تعال يا فكرت ..الى أين ستذهب ؟. وماذا ستفعل ؟. انهم يعطونك نقل كفالة فلا تنشغل ستجد العمل المناسب إنشاء الله ..ما رأيك ريثما تجد عملا ان تعمل معي؟. فأنا لدي محل صغير مغلق افتحه ليلا فقط .فما رأيك ان تجلس فيه وتقابل الزبائن ؟. وعندما آتي في الليل تقول لي عن من جاءني.. وبذلك اكسب الزبائن الذين يأتون في النهار ويكون المحل مغلقا ..
= ولكن ماذا يعمل المحل ..؟.
- إصلاح الكومبيوتر..؟.
= وماذا افهم أنا في ذلك حتى أقابل الزبائن وافهم منهم؟...
- لاشيء صعب ..أنت وافق واترك الباقي علي ..الأمر في منتهى البساطة.. وأنت ذكي ولا تنقصك المبادرة والجرأة ..هيا توكل على الله وسيكون لك معي راتب معقول ريثما تتدبر أمرك في وظيفة أخرى .. توكل على الله ..
= توكلنا على الله هيا ..
ويرشف الشاي وهو مستغرق في التأمل والتفكير واسترجاع الذكريات التي أثارها ذاك الزبون ..ونظر حوله ثم ثبت ناظريه على مكان محدد من المحل الذي هو فيه وقال :
" هناك وقفت أول مرة دخلت فيها هذا المكان لقد شعرت بالملل وأنا انتظر زبونا يسأل عن الأستاذ محمد طوال النهار دون فائدة الى ان جاء أول زبون يحمل جهاز كومبيوتر وهو يتشاجر مع نفسه من شدة غيظه وترك الجهاز أمامي ورحل وهو يشتم الكومبيوتر والذين اخترعوه لشدة ما أزعجه من كثرة ما يتوقف طالبا ان ابلغ الأستاذ محمد بذلك ..جلست أنا وجهاز الكومبيوتر وحدنا في المحل انظر إليه ..انه لا يتحرك ..فكيف يقولون انه يفهم ويقوم بأعمال كثيرة ؟..انه حتى لا يمكنه ان يحدثني ولا بكلمة واحدة ..وكم تمنيت ان اسمع صوته لأتحدث إليه ونتسلى معا ..ولكن بلا فائدة ..دفعته بالسبابة من طرفه أريد ان أستثيره فيرد لي دفعي له بمثله ولكنه لم يفعل لمست عليه من اكثر من مكان واتت أصابعي عليه من كل جانب وكأنني أتحداه فلم يفعل أي شيء انه جماد لا يتحرك ولا ينفعل ولا يؤدي أي شيء ..سخرت منه وأخذت اعبث به من هنا وهناك ..وقلبته وعبثت بأزرار له في اكثر من مكان دون أي استجابة ولكن ذلك جعلني قريبا منه وجعله قريبا مني فلم اعد أخشاه كما السابق فأخذت امسحه واعتني به ريثما يأتي المساء ويجيء الأستاذ مجمد.. "
ابتسم وهو يتذكر أول مرة أمسك فيها ب"المفك" بأمر من الأستاذ محمد وحل براغي جهاز الكومبيوتر وكيف كان يراقب الأستاذ وهو يعبث بالكومبيوترات من هنا ومن هناك فتعود الى ما كانت عليه بشكل يرضي أصحابها فيدفعون له المال بكل سرور وفرح ..بعد "المفك" والانتباه والإصغاء الى كل كلمة يسمعها من الأستاذ وجد نفسه يعبث كالأستاذ في إحدى قطع الكومبيوتر والأستاذ يراقبه ويقول له :
- لا تخف ..تحرك وستكتشف انك تعرف كل شيء ببساطة ..
مرت أسابيع وربما اشهر طويلة جدا .. لقد خرب عدة أجهزة ..قبل ان يوفقه الله ويسمع من الأستاذ كلمة :
- أحسنت لقد نجحت ..
ويستغرق في تذكر تلك اللحظة الغالية أغلى من أي شيء في الدنيا إنها كانت لحظة ميلاده الحقيقية كعامل ماهر في إصلاح بعض أعطال الكومبيوتر البسيطة وما هي إلا اشهر وربما سنة أو اقل حتى اصبح يصلح أي عطل في أي جهاز للكومبيوتر لدرجة ان أمثال ذاك الزبون يحسبون انه "مهندس" في الكومبيوتر ويشعر بالفخر والنشوة خصوصا عندما يناديه أحدهم باسم :"مهندس فكرت "..
نشرت بتاريخ4-9-2003 بالشرق
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق