أحلام
قصة قصيرة بقلم :عدنان الحرستاني
كانت واحدة بين آلاف من جموع العراقيين المتجمعين في "الحديقة" كما يطلقون عليها كمكان للتجمع مساء كل يوم لمن وجد عملا، وطوال اليوم والليل لمن ليس لديه عمل، والتي كانت لايخلو فيها موطئ قدم ليلا ولا نهارا في منطقة "قدسيا" القريبة من دمشق حيث يتداولون أخبار العراق والأهل الذين لم يغادروه بجميع مناطقه كل يتحدث بما سمعه من أخبار الوطن والأهل وأنباء القتل والتدمير في بلد كان من أأمن البلدان في العالم اضافة الى تبادلهم أخبار يومهم كيف مضى وماهي الأعمال التي قاموا بها وكم استطاع كل منهم أن يحصل عليه من الليرات السورية ليسد احتياجاته وعائلته التي حملها معه هاربا من العراق الى هذه المنطقة التي فتح أهلها بيوتهم لجميع القادمين اليها وشاركوهم لقمة العيش كما شاركوهم الهموم والأحزان ؟؟
كانت أحلامها تخطفها وتتخطى بها كل الضجيج والإزدحام والعذاب والقسوة العجز الذي يحيط بها إلى آفاق الماضي لترى نفسها وتسعد للحظات بما كانت تحلم به وتنسى ما هي وغيرها عليه اليوم ؟؟.
ابتسمت وهي تستعيد حلمها الدائم بأن تسافر وتجوب عواصم ومدن العالم تحمل على ظهرها حقيبة سفر صغيرة مملؤة بأحلامها ولا تحتوي على شيء سوى بطاقتها الشخصية وصورة أمها وبضع دنانير وقطعتي ثياب .. واستعدت لذلك بانتسابها الى كلية اللغات في جامعة بغداد وتخرجت منها متفوقة في لغتها الانكليزية على قريناتها.
أحبت اللغة الانكليزية فقط لأنهم أكدوا لها أنها لغة التعارف بين الشعوب ولغة التخاطب بين الدول والحكومات والشعوب!! أكدوا لها أنه من يتقن اللغة الانكليزية يأمن "الشر" من الناطقين بها وما أكثره ؟؟
أحلام.. ناداها أحدهم :"أراك مساء في الحديقة".
سمعت الصوت وكأنها تعرفه رغم أن أحدا هنا لا يعرفها وهي التي وصلت للتو بعد رحلة عذاب لاتصدق من بغداد إلى هذه المدينة ؟؟ هاربة بأحلامها إلى عالم الله وحده يعلم ما ذا ينتظرها فيه.؟؟
"الحديقة" هذه عبارة عن رصيف وسط الشارع الرئيسي في "قدسيا" يفصل بين اتجاهي الشارع كجزيرة صغيرة مزروعة بالحشائش وبعض الأشجار ولكنها كانت بالنسبة للعراقيين القادمين إليها "جنة ووطن" لأن فيها الأمان والأمن وهو سبب رحيلهم الذي افتقدوه ولقربها من كل ما يمكن أن يحتاجه أي شخص منهم من شراب وطعام وعمل وأي احتياجات أخرى؟.
لم تكن لتحلم أبدا بأن تكون أول محطات رحلتها الحالمة إلى "قدسيا" هذه المدينة الصغيرة قرب دمشق عاصمة سورية المجاورة لبلدها !.
لقد عملت مترجمة للقوات الأمريكية التي قالت لها أنها جاءت للعراق لتساعده على تحقيق الديموقراطية وصدقت ذلك ؟؟
عملت "معهم" ظنا منها أن عملها في الترجمة يوصلها إلى حلمها بأقصر الطرق و"يجعلهم" يفهمون أن الشعب العراقي شعب مسالم يحب الحياة ويقبل عليها وينبذ العنف ولكنه ككل الشعوب يرفض وبكل إباء وكبرياء أن يجسم عدو محتل على أرضه ويستغل ثرواته ويتركه جائعا ؟
تذكرت كيف حاولت خلال عملها أن تضمن ترجمتها للأمريكيين شرحا للكثيرعن بلادها وحضارتها والتاريخ الذي ولد وترعرع على ضفاف نهري دجلة والفرات وانطلق إلى العالم علما وثقافة ونورا ولكنها تذكر أنها في كل مرة تفعل ذلك كان الضابط الأمريكي يحاول إسكاتها بعد أن "تغيرت لهجته" السابقة معها والتأكيد بأن "العراق بحاجة إلى الأمريكيين والأمريكيون بحاجة إلى العراق والمصلحة متبادلة" !!؟؟.." أنتم تعطونا البترول وعائداته ونحن نعطيكم الديموقراطية والأمن"؟؟ كانت تحتار بماذا ترد على هذه المعادلة الغريبة التي يطرحها ؟؟ وهي التي ترى بأم عينيها مايفعله ويعده الإحتلال الأمريكي بالخفاء وداخل المكاتب المغلقة ومع شخصيات كبيرة ومعروفة تراها وتساعدها على الفهم والترجمة من خطط لزرع للفتن الطائفية بإثارة طائفة على أخرى!!.
لقد سمعت منهم :" أن العراق يجب أن يكون عدة دول ولا عودة إلى الوراء إلى العراق الواحد مهما كانت النتائج".. ! لقد شاهدت بأم عينيها تدميرالجيش الأمريكي لكل شيء في بلادها .. حتى الحجر والنهر والشجر لم يسلم من نيرانه وقنابله وغاراته!!.
بعدها.. اتخذت أهم وأخطر قرارات حياتها تاركة الترجمة للجيش الأمريكي والدولارات الأمريكية التي كانت تقبضها ؟؟
ذرفت الدموع هذه المرة عندما تذكرت طردها من الوظيفة الحكومية التي التحقت بها ومن أبناء جلدتها وبلدها الذين على أعينهم غشاوة ولأسباب طائفية لا ناقة لها بها وجمل !!.. وتقاذفتها الأحداث اللاحقة التي وصلت بطائفيتها العمياء إلى الحي الذي تقيم فيه وعائلتها حتى رأت أن الهروب والخروج منجاة حتى تستقر الأمور ويعود الناس إلى رشدهم ويستتب الأمن !! فكان قرار الرحيل إلى سورية مع الراحلين .
لقد سمعت أن مئات الآلاف غادروا إليها وهم في مأمن وهي تعرف أن بقاءها يعني أن هناك من سينتقم منها ويقتلها بعد قتل شقيقها أمام عينيها رميا بالرصاص نتيجة حقد طائفي أعمى زرعه الأمريكي في النفوس الضعيفة وتلقفته القيادات الباحثة عن أحلام السلطة ؟؟
كانت تنتظره في "الحديقة" ..؟؟ تنتظرصاحب النداء والوعد الذي سمعت صوته يناديها لتنتظره ؟؟
قلبها يعتصره الألم والخوف تماما كالذي تشعر به كلما كانت بعيده عن بيتها!!..
لم تعد تريد لحلمها أن يتحقق !!.. لا تريد أن تطوف العالم من مدينة إلى أخرى ومن عاصمة إلى عاصمة !! انها تنتظر صاحب الصوت الذي سمعته وناداها ووعدها في "الحديقة" .. تريد الآن فقط أن تعود إلى بيتها وتلتقي بجاراتها وصديقاتها وأهلها و..وطنها الموحد؟؟. وهو ما تظن أنها ستجده لديه؟؟
نشرت بالشرق بتاريخ 21-10-2008
.jpg)
مدونة جميلة تعكس أصالة صاحبها ومدى ارتباطه بجذور حضارته العربية الاسلامية في أبهى تجلياتها وأعمق أعماقها، إنها جذور الشام .. جذور دولة الخلافة والريادة والحضارة.
ردحذفمن هذه المدونة نعانق مآذن المسجد الأموي، ونستنشق عبير ونسيم حدائق دمشق، ونسبح في عبق تاريخنا التليد.
مدونة تعكس اهتمامات صاحبها الثقافية وتطلعاته الطموحة لمواكبة عصر التكنلوجيا الذي كنا سباقيين في تأسيس حضارته وتخلفنا في الأخير عن مواكبته.
إلى الأمام .. ودمتم
أخوكم، سيدي محمد البكاي