زق على غفلة
لا ادري لماذا كنت اشعر بالسعادة والفخر والاعتزازعندما كنت استلم ما كنت اعتبره راتبا او معاشا يوميا او اسبوعيا من والدي نظيرعملي عنده في الورشة كحرفي في واحدة من اقدم الحرف اليدوية في دمشق وهي ما كانت تسمى صداف وتعني حفرالموزاييك الخشبي وتنزيل الصدف البحري في الحفرة مكان الخشب الذي تم اقتلاعه طبعا بحجم اصغر من رأس الابهام وبعد اعداد هذا الصدف بواسطة مبرد صغير من البولاد في قطع صغيرة ذات اشكال هندسية بسيطة كالمربع والمثلث بجميع اشكاله والمسدس والمثمن والمعين والرباعي بجميع اشكاله لقد كانت ورشة عمل كبيرة يعمل فيها عدد كبير من الحرفيين المهرة وباعتباري ابن رب العمل فقد كان الجميع يتودد لي بعفوية وصدق ومحبة كنت اشعرها دافئة والمسها من خلال اضاعة بعضهم اوقات عمله ليعلمني الحرفة ويرد على استفساراتي المتعلقة بالحرفة العجيبة الغريبة الصعبة المعقدة التي كانت بالنسبة لهم حرفة رائعة سهلة وبسيطة وسرعان ما اكتشفت انها بالفعل بسيطة ورائعة وسهلة ولاتحتاج اكثر من محبة من يعمل بها وطالما الحرفي احب حرفته فسيجدها سهلة وممتعة وبسيطة اما اذا كان يعمل بها دون محبة تصل الى درجة العشق فانها ستجعله يمل منها ويتركها بسرعة وكان ابو ممدوح الرجل الطيب من افضل الحرفيين الذين يعملون في الورشة وكان والدي يحضرني معه الى الورشة فيستبقيني عند ابو ممدوح الذي يجلسني امامه ويطلب مني ان اتابعه فقط بنظراتي مع مرور الوقت والايام وجدت نفسي حرفيا ماهرا بفضله وبفضل شدته احيانا وترغيبه احيانا اخرى وكنت اهرع الى الورشة فور انتهاء الدوام المدرسي حيث اصبحت حينها في الصف الاول الابتدائي والذي كان على فترتين واحدة من الثامن صباحا وحتى الظهر والثانية من الواحدة والنصف بعد الظهر وحتى الرابعة عصرا فكنت بعد انتهاء الفترة الاولى اتناول الغداء في البيت واسرع الى الورشة لاحمل الغداء لوالدي ولمن يريد تناوله معه واجلس لاعمل لقنع نفسي وارضي مشاعري بانني اصبحت حرفيا ماهرا او قريب من ذلك ولكن سرعان ما ينتهي الوقت وعلي العودة الى المدرسة وقبلها الى البيت لاعيد السفرطاس او المطبقية ذات الطبقات الاربعة التي كانت مملؤة بالطعام واصبحت فارغة واعود ثانية عقب انتهاء الدوام المدرسي عصرا الى الورشة لاستمتع بالعمل والاهم من ذلك ان انافس اخي الاكبر مباشرة في التعلم والاستمتاع بهذه الحرفة العجيبة حتى اننا اصبحنا بعد فترة ليست طويلة نماثل الحرفيين الكبار العاملين لدى والدي في الورشة وكنا في حالة من السعادة لا يمكن وصفها فقط لاننا اصبحنا وبشكل تدريجي منتجين ومساعدين رئيسيين لوالدنا في الورشة حيث بدا الحرفيون عنده ينسلخون من الورشة الى ورش خاصة بهم فقد اتقنوا كل شيء فلماذا لا يعملون لحسابهم بدل ان يعملوا لحساب والدي وبالتالي كان على والدي ان يتدبر اموره باحضار عمال اخرين لتدريبهم قبل ان يعتمد عليهم وغالبا ما يهرب العمال الجدد قبل ان يدركوا الحرفة واسرارها ولذتها .
ذات يوم قال احد العملاء لوالدي وهو يشير الينا ؛ اخي وانا؛ بانهما "ماشاء الله حرفيين ماهرين" واتبع ذلك بعبارة "فرخ البط عوام" ويبدو ان فكرة خطرت لوالدي فكرة الاعتماد علينا بدلا من العمال والحرفيين حيث بدا يكرس جزءا من وقته ليشرف على ما نقوم به وبشكل جاد ليعطينا ملاحظاته وارشاداته واسرار المعلمين او اسرار المهنة الى ان اطمان واخذ يعتمد علينا في انجاز العمل وبالتالي الى اننا اصبحنا مهرة ويمكنه الاعتماد عندها سمح لمن يريد ترك العمل الى ورشة خاصة به موافقته فلم يبق في الورشة سوى ابو ممدوح الذي يعمل موظفا لدى شركة "الخماسية" وبعدها في الورشة .
لا ادري لماذا كانت الاسباب التي كانت تشدنا وتجذبنا الى العمل تتراجع وشعرت ان والدي ادرك ذلك فابتكر فكرة ”المنافسة" التي بدا يبثها بيني وبين اخي على ان يمنح من يحضر الى الورشة اولا وقبل الاخر "ضعف الاجرة" التي كان يعطينا اياها ودب فينا الحماس من جديد فكنت اخرج من المدرسة الى البيت ومنه الى الورشة التي تحول اسمها لدينا الى "الدكان"لاحصل قبل اخي على الاجرة المضاعفة واحيانا كنت افاجا بان اخي قد سبقني الى الدكان وحصل على الاجرة الضعف فكنت في اليوم التالي احاول التبكير اكثر فاكثر رغبة بالفوز باعجاب والدي- خصوصا وانني الاصغر - اكثر من الفوز بضعف الاجرة حيث كان ثناء والدنا علينا لايعادله أي شيء وكنا نحرص ان ننتزعه منه حيث كان لا يمنحنا اياه بسهولة .
في احد الايام الماطرة كان خروجي من المدرسة بعد انقطاعها فاسرعت الى البيت وتركت فيه حقيبتي المدرسية وودعت والدتي مسرعا قبل ان يصل شقيقي الاكبر بعام واحد ويسبقني بالتالي الى الدكان وما ان خرجت من البيت حتى راني احاول ان اسبقه فاسرع الى البيت والقى بحقيبة كتبه ولحق بي يطاردني وانا اسرع امامه راكضا كانت الارض مبللة بمياه الامطار وعليها طبقة من اللزوجة الطينية التي يحذرنا منها والدي عادة من انها يمكن ان تؤدي الى الانزلاق والوقوع وما يتبع ذلك من جروح وكنا دائما نتحاشي السير بسرعة في مثل هذه الحالات ولكن اليوم اخي يطاردني ويريد ان يفوز برضا والدي واعجابه اكثر مني كما يريد فوق كل ذلك وقبله الفوز بضعف الاجرة وهذا يعني انه سيبقى لعدة ايام يسخر مني امام اولاد العائلة وامام جدتي وعمي واخرين حيث لايمكنه ان يسكت عن فرصة كهذه اذا سنحت له؟؟
واصلت السرعة اكثر فاكثر وانا اسمع صوت وقع قدمية على الارض تقترب مني واوسعت خطواتي اكثر فاكثر لاتمكن من الابتعاد عنه ولو بعدة خطوات ؟؟ هاهواصبح بجانبي وركضنا معا لفترة طويلة لااحد يسبق الاخر ولكن الوضع لم يعجبه فهو لم يستطع ان يسبقني رغم انه استطاع ان يوقف تقدمي عنه ووجدت نفسي ايضا لا استطيع ان اسبقه من التعب وخشية السقوط بسبب اللزوجة الطينية و فجاة ادركني ونظر الي من الطرف الايمن ونظرت اليه ابادله نظرة التحدي التي ارسلها الي وابتسم كل منا ابتسامة تقول انه لن يستسلم وانه لن يمكن الاخر من ان يسبقه وفي لحظة مباغته وجدت نفسي اتزحلق على الارض في الطين بعد ان "تفركشت" بقدمه التي وضعها امام قدمي وانا مسرع فوقعت على وجهي في الطين اللزج ولم اشعر الا وانا احاول القيام بصعوبة بينما اصبح اخي يسبقني بخطوات تتزايد شيثا فشيئا ..حاولت مجددا الوقوف على قدمي الداميتين وقد وصل دمي الى الطين اللزج ؟؟ وفي النهاية لم اعد ارى اخي وتصورت انه وصل الى الدكان بالتاكيد ونال رضا الوالد وابتسامته الجميلة وبالتالي تصورته يرد على سؤاله عني بانني "متاخر" وربما يقول له "انني العب مع الاولاد في الحارة" ليغضب مني ..حاولت الوقوف ومتابعة الركض ونظرات بعض المارة تحيط بي مشفقة علي وانا في هذا المنظر الطيني الاسود واحدا منهم لايعرف ان سبب سقوطي هو "زق" وضعه لي اخي فسقطت متزحلقا عندما وضع اخى قدميه امام احدى قدمي ليختل توازني واسقط.كما ان واحدا من المارة الذين شاهدو اخي وهو يفعل فعلته لن يصدق ان الذي فعلها هو"اخي" وبالتالي فان جميع من راني وانا احاول النهوض يمكن ان يصدق انني سقطت بفعل زق ولكن احد منهم لن يصدق ان واضع الزق هو "اخي" .
تحيرت في امري كذلك والدي لن يصدق ان اخي وضع لي زق ليؤخرني عن الوصول ويصل قبلي وينال ضعف الاجرة وقد يعتقد او يصدق انني تاخرت عن اخي لانني كنت العب مع اولاد الحارة وبعد ان نهضت لم اكن قادرا او راغبا بالركض بل اخذت اجر نفسي جرا ماشيا بشكل بطيء متالما من الجروح التي لحقت بي واحترت هل اعود الى البيت لان ملابسي وسخة او اواصل السير باتجاه الدكان؟؟ ووجدت نفسي وقد وصلت الى الدكان وعندما راني اخي اخذ يضحك تارة ويبتسم اخرى ونظر والدي الى منظري واشفق علي وقال وهو مقطب الجبين غاضبا مني : هذه نتيجة اللعب مع اولاد الحارة ؟؟
ولم يترك لي فرصة لاقول له ان اخي "حط لي زق على غفلة" واسقطني بالوحل وهرب ليسبقني؟؟
نشرت بتاريخ 16/10/2007
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق