مدونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة :
عدنان حســـني الحرســـــــتاني..............ADNAN HUSNI ALHARASTANI

استراحة للمتعبين يتعرفون خلالها على متاعب غيرهم فتهون عليهم متاعبهم مستخدمة قصة قصيرة أو مقالة أو صورة أورسم كاريكاتير أو همسة أو ابتسامة.. والقصد منها العودة إلى الواقع ليكون أحلى وأفضل إلى جانب المعرفة التي تكسب المتعة والفائدةسواء ذاتية أو منقولة فالعالم يستحق أن يكون بيتناالصغير ؟؟.

بسم الله الرحمن الرحيم .. اهلا بالشباب


الخميس، فبراير 05، 2009

بناء على الحاح ابني احمد الذي قام بتنظيم المدونة لي فقد تم عند الساعة الثانية عشرة والنصف من بعد منتصف الليل للخميس 5-2-2009 اطلاق هذه المدونة التي اطلقت عليها اسم الحي الذي ولدت ونشات وترعرعت فيه اعترافا مني بالجذور التي تكونت منها وساعد احمد في عمل معظم الاشياءالفنية للمدونة لانني قليل الصبر والعملية تحتاج على ما ظهر لي الكثير من التأني والصبر لذلك اجد لزاما ان اشكره لانني ساحتاج اليه مرة اخرى وربما مرات لمواجهة البطء في التنفيذ ومواجهة ما لا اعرفه حتى اتعرف اليه فيكون شكري له كرشوة بامكانه الا يقبلها مني ..قال انها قبلها وهو بجانبي .. لذلك سأواصل..والله الموفق دائما والمعين على كل عسير..

غلاف كتابي الأول للقصص القصيرة


الخميس، فبراير 05، 2009
لقد وضعت في مقدمة المدونة صورة لغلاف كتابي القصصي الاول "نحن والمسلسل وابي"للتعريف به والدعاية له وساقوم انشاء الله بوضع ما يتضمنه الكتاب من قصص واحدة بعد الاخرى لتوسيع عدد القراء راجيا لهم المتعة والفائدة كما ساحاول ان اضع في المدونة بعض المقالات التي سبق نشرها لي في الصحف مشيرا الى مكان وتاريخ النشر .

الجمعة، نوفمبر 19، 2010

عروس وعريس

عروس وعريس
كانت تلتصق به وكأنها تتوحد معه في جسم واحد . كان ذراعها الأيسر يلفه بحنان المشتاق للحنان ؛ طالما أنه قريب من قلبها ، ورأسها يكاد ينام على كتفه .كانت تبحث لديه عن حياة ، عن أمل، عما يجدد لها الحياة ، ويعيد الحيوية لقلبها الشاب .كانت تستدفئ عنده كأجمل ما يكون الدفء . وكأنها افتقدت الأمل وتلتمسه لديه وتجرب الحظ عنده . .
أفكار طارئة أخرجتها عن طورها وتصرفات جعلتها تنسى ما هي عليه ؟.
..فجأة سمعا صفارة الإنذار ؛ من غارة ؛ فطمأنها قائلا : إنها صفارة إنذار تجريبي .
إنهم يتحسبون من إعتداء اليهود علينا وينتظرون ذلك بفارغ الصبر ليلقنوهم درسا ويطردونهم من فلسطين إلى البحر أو إلى البلاد التي جاءوا منها .وعبد الناصر ينتظرهم بفارغ الصبر أيضا .وقد استعد لهم ؛ ليستعيد كرامة العرب التي أهدروها عام 1948وهذا عامهم . إنشاء الله عام 1967 . فاطمأنت عندما سمعت إسم عبد الناصر . فهو وحده سيعيد الكرامة والأرض لأصحابها وتستذكر أيام الوحدة السورية المصرية وتذكره بها بفرح وسعادة .
حول الحديقة ،كان يتهادى معها في مشيته .كانت تمتزج به ؛ توقظ كل ما لديه من مشاعر وأحاسيس . الوقت بعيد الغروب ، و(التمشاية ) ؛ دواء لها ، وخصوصا معه ، هو ، أو مع أي من إخوته الخمسة ، فكلهم أحباب قلبها الضعيف . حدثها بكل شغف عن مدرسته ؛ فهو حديث العهد بمدارس الكبار -كما يسمون المدارس الثانوية -لم يشعر بما تشعر به ، وبما تحاول أن تقول له .كان سعيدا لأنها تمشي معه ؛حول الحديقة . وكفى . كانت سعيدة ؛ لخروجها معه في وقت من النهار؛ يخرج فيه العشاق ، ليتجولوا في الحدائق ، ويتبادلوا الأحاديث، والمشاعر، الأحلام ،والآمال ؛وأي آمال تبحث عنها فيه ؟.
وهكذا قالت له : أنا وأنت مثل عروس وعريس ؛ والذي يرانا لا يقول عنا سوى أننا عروس وعريس ؛ عاشق وعاشقة . أليس كذلك ؟ .ألا يلبق لنا أن نكون مثل العروسان ؟. هل أبدو أكبر منك في العمر ؟ وهل تبدو صغيرا أمامي؟.وشدته إليها من يده اليمنى وكررت عليه السؤال : ألسنا كعريس وعروس ؟ وماذا ينقصنا لنكون كذلك ؟!. وسألته ثالثة وهو مأخوذ بما يسمع وبرقتها وجمالها الذي لم يسبق له أن فكر به لمجرد التفكير .قالت : ألا يعتقد من يرانا معا أننا عشاق ؟ .أننا عرسان جدد ؟ .ألا نبدو كذلك ؟!. انظر إلى الناس كيف ينظرون إلينا بدهشة .لماذا يستغربون أن نتمشى معا ؟.ألا يحق لنا ذلك ؟.أم التمشاية فقط للعشاق ؟.
لم يعتد أن يسمع منها كلاما بمثل هذه الطريقة ؛ وهذه الرقة ، التي لم يفهمها ، ولم يدرك مقاصدها . وهي تسترسل بنشوة وسعادة .وكأنها ولدت من جديد. كيف لا ؛ وهي أم لستة أبناء ؛ وعمرها لا يتجاوز السابعة والثلاثين عاما . أكبر أبنائها تخرج مهندسا معماريا من جامعة دمشق. وأصغرهم لا يتجاوز السنوات الثلاثة .
لقد تزوجت طفلة صغيرة ؛ لا يزيد عمرها عن اثني عشر عاما. عندما كانت تلعب ، في أحد أركان بيتها مع البنات في مثل سنها ؛ وشاهدها قريب لأمها .كان يزورهم ، واستهوته منها ؛ خفتها ؛ وجمالها ؛ وبراءتها .ولم يخطر بباله أن تصبح هذه الطفلة زوجة له .وهو المتزوج ؛ مرتين ؛ وإحداهما لا تزال على عصمته ولديه منها بنتان أصغرهما أكبر منها ..فقط كان يداعب والدتها وشقيقها مازحا : لقد أصبحت البنت صبية وجميلة وتثير الإنتباه فكيف تتركونها تلعب في الحارة مع البنات ؟.
سؤاله كان بريئا وواضحا إلا أن الحديث أخذ مجرى أخر طال والتف وطاف من مكان إلى أخر ومن حكاية إلى أخرى ليجد نفسه وقد خطبها لنفسه رسميا وبارك له شقيقها الأكبر ووالدتها وتم تحديد موعد العرس (الكتاب والعرس) وهي لا تدري أي شيء .
وتواصل اللعب ؛ ولمحته خارجا من بيتها ولما كانت تعرفه سابقا رمته بنظرة وسلام وهي تلبي نداء والدتها داخلة إلى البيت وكانت هذه آخر مرة تلعب فيها مع رفيقاتها .
وما هي إلا أيام قليلة حتى أصبح قريب والدتها زوجا لها .وكانت فرحتها كبيرة ؛ بانتقالها من بيت أهلها إلى بيته معتقدة أنها ستسترد حرية اللعب التي حرمت منها .ولن ينهرها أحد شقيقيها كلما دخل أو خرج من البيت. وستصبح لديها غرفة مستقلة لا تشاركها فيها أخواتها البنات الثلاثة. إثنتان أصغر منها ؛ وواحدة تكبرها بعامين أو ثلاثة .
فرحت بالأسلوب الجديد غير العادي الذي تعاملها فيه والدتها ؟.. أصبحت كبيرة في لحظات. ؟؟؟.. جميل أن يصبح المرء كبيرا في لحظات . أصبح من حقها أن تستخدم أحمر الشفاه ،والبودرة البيضاء ،على خديها .كما تفعل الكبيرات من النساء .كما أصبح لزاما عليها أن تتدرب على لبس الحذاء ذو الكعب العالي والأهم من ذلك أنها ستغطي شعرها ورأسها كالكبار .
كل هذا تغير في لحظات ، كانت تفصل بين خروجها للعب، ودخولها منه لتلبي نداء أمها . وأصبحت تنتظر بشوق ولهفة يومها وليلتها الكبيرة .فلم تعد تذهب إلى المدرسة . ولم تعد تتحدث مع أي من بنات الحارة ؛إلى أن دخلت بيت عريسها ؛دون عرس ؛ أو ضجيج. فقد كان ذلك أحد بنود الإتفاق مع والدتها وشقيقها ؛ حرصا من الزوج على مشاعر زوجته الثانية ، التي لا تزال على عصمته ويريد أن يبقيها كذلك لتربي إبنتيه . فقد كانت حفلة صغيرة حضرها عدد قليل من المقربين ..حفلة شطبتها من سجل البنات وسجلتها في ملف النساء وعالم الحريم .!!
كانت تبيت وحدها في البيت لأكثر من سنة فلم يكن زوجها يبيت عندها لئلا يجرح أحاسيس زوجته الأولى إلى اليوم الذي خاطت فيه زر قميصه المقطوع ومن يومها بدأ يبيت عندها ليلة وعند الأولى الليلة الأخرى وتذكرت أنه قال لها عندما سألته عن السبب أن الأولى لاحظت أن زر قميصه كان مقطوعا عندما خرج صباحا من البيت ولم تخيطه له .. وعند عودته ليلا لاحظت أن الزر قد ركب في مكانه ..
فسألته: من خاط لك الزر؟.
واستدركت قائلة : هل عندك امرأة أخرى ؟. هل أنت متزوج من ثانية؟.
فكان رده عليها إيذانا بإعلان زواجهما ..حيث قال: " أنت قلت ذلك.. لذلك عندك ليلة وعندها ليلة ..!!!"
ومنذ تلك الليلة صار يبيت عندها ليلة وعند الأخرى ليلة ..إلى أن استحكم خلاف بينه وبين الأولى فتركها وبقيت وحدها ..
كان عليها أن تعيش مع إبنتيه وكانت فرصة جديدة لتلعب مع قرينتيها .. إلى أن جاء طفلها الأول .
جميع هذه الذكريات مرت كحلم .وهي تلتصق به وكأنها تتوحد معه في جسم واحد .كان ذراعها الأيسر يلفه بحنان المشتاق للحنان طالما أنه قريب من قلبها ورأسها يكاد ينام على كتفة كانت تبحث لديه عن حياة عن أمل عما يجدد لها الحياة ويعيد الحيوية لقلبها الشاب كانت تستدفئ عنده كأجمل ما يكون الدفء .
حول الحديقة كان يتهادى معها في مشيته .كانت تمتزج به توقظ كل ما لديه من مشاعر وأحاسيس . الوقت ..بعيد الغروب وهو يسترسل في الحديث عن التجربة الجديدة له في المدرسة الثانوية التي دخلها منذ أيام وعن إنتسابه للفرقة الموسيقية لفوج الفتوة بالمدرسة والثياب الخاصة التي سيرتديها ويضع على كتفيه (كتافيات )جميلة تلفت أنظار أجمل بنت في الحي ؟..هو يتحدث عن كل ذلك وهي تسترسل في ذكرياتها وأحاسيسها وتلتمس لديه الدفء ولقلبها الحياة وتقودهما أقدامهما من مكان إلى أخر حول الحديقة..
طلبت منه أن يعيدها إلى البيت ؛ فقد تعبت وتعب قلبها ..
وابتسمت ساخرة : عرسان ؟..عريس وعروس ؟..من أين لنا ذلك ؟.وأنا لا أقوى حتى على المسير إلى جانبك ؟.
لقد كان حلما ووقتا ممتعا أمضيناه معا أو أمضيته أنا برفقتك.
ورغم أنه لم يفهم مقاصدها ومراميها إلا أنه وعدها بأن يتمشى معها كل يوم في مثل هذا الوقت إذا كانت تريد ذلك.
ابتسمت من عبارة : إذا كنت تريدين ذلك ! وتساءلت في نفسها من أنا حتى أريد أو لا أريد وهل ما أريده يصير وما لا أريده لا يصير؟؟..
ومع تثاقل خطواتها في طريق العودة كانت تستند إليه..
وتذكرت للحظات يوم ولدت به .. ولحظة هنأوها بسلامته بعد أن ولدت بنتا قبله كانت دائمة المرض و فارقت الحياة لاحقة بأختيها البنتين حتى اشتهرت ب"أم الصبيان" التي لا يعيش لها بنات . وكان ثالث أولادها .. أنجبت بعده ثلاثة صبية جاء أخرهم والذي قبله رغما عنها وعن تحذيرات الأطباء بأن الحمل لم يعد يناسبها وعليها أن تراعي التوقف عنه ..
وتذكرت صوت الطبيب الذي لا يزال في أذنيها :" كفاكم".. !! فقد منحك الله ذرية كبيرة وولدت ثماني مرات حتى الآن .. مات منهم أربعة وعندكم أربعة صبية.. إنها نعمة من الله حافظوا عليها صحيح إنك مازلت صغيرة ؛ ولكن جسمك لن يتحمل المزيد من الولادات .. وأية ولادة ستؤثر عليك عكسيا .
وتسخر منه وتتساءل : لو سمعت كلامه من أين كان سيأتي عادل وأحمد ؟. وهل يمكن تعويضهما ؟.
وتكلم نفسها : إن نظرة واحدة إلى أي منهما تعادل الدنيا وما فيها .. والإنسان لا يأخذ إلا نصيبه من المرض والصحة والعمر وأي شيء آخر ..
وتنتبه إلى أنه يكلمها وتسمعه يقول : الآن يكون والدي قد عاد إلى البيت علينا أن نسرع قليلا.
فردت عليه : لا تستعجل فهو يعرف أنني معك ..وأكيد انه بقي حيث هو بانتظار صفارة الإنذار الثانية ليسمح له بالحركة والعودة إلى البيت فدعنا نعود على مهل .!!
وتسأله : هل مللت من صحبتي ؟ إنني سعيدة جدا برفقتك لي .
فرد عليها : وهل يمل الإنسان من رفقة القمر يسير بجانبه ؟؟
ويشدها إليه من جانبه الأيمن تأكيدا على صدق مشاعره ..
ويضيف مداعبا : أنسيت ؟ ألم تقولي أننا عريس وعروس ؟. وعاشق ومعشوق ؟ فمن أين لي بمثل هذه العروس وهذه المعشوقة التي أعشقها إلى الأبد ؟.
وتسود لحظات صمت بينهما تتجول خلالها نظراتهم في الحديقة التي يدورون حولها ولا يدخلونها ويفوح من ياسمينها عطر يملأ أرجاء المكان وهو يتدلى على أسوار الحديقة ويسترسل حتى يلامس المارة من الداخل والخارج..
الظلام يزداد شيئا فشيئا وتلفهما العتمة .خطواتها ثقيلة وهو يرسم خطواته حسبها ويبدوان كأنهما طفل وطفلة في أول مشيهما يتعلمان كيف ينقلان الخطوات بحذر .
البيت ليس بعيدا عن الحديقة ولكنهما يحتاجان إلى وقت طويل ليصلاه .
في سرها أشفقت عليه من المشي معها .أشفقت على خطواته التي يحاول أن يرسمها على قدر خطواتها فحاولت أن توسع وتسرع من خطواتها وفشلت دون أن تشعره بذلك ..
وتذكرت يوم كانت تقفز وتنط وتركض وتكاد تطير وهي تمشي أسرع من أي بنت أخرى لدرجة أن والدتها كثيرا ما نهرتها وعنفتها لأنها تسير مسرعة وتسبقها مما يسبب لها الإحراج في السوق والحارة حيث كانت تبدو وكأنها تسير وحدها . وكيف تغير كل ذلك بعد ولادتها التاسعة التي حدثت رغم تحذيرات الطبيب . يومها رأت الموت ولكن كتبت لها الحياة ومع كل ما عانته حملت من جديد وولدت للمرة العاشرة وكانت الأخير ة ؛ وهي الثانية بعد تحذيرات الطبيب ، وكيف كادت أن تفارق لولا لطف الله ؛ حيث اضطر الأطباء إلى حجزها في المستشفى عدة أسابيع أمضتها تحت العناية المركزة والتحليلات والفحوص المتواصلة حيث أخفوا عنها وعن أولادها أنها مصابة في قلبها ولم يعلم بذلك سوى زوجها وشقيقها الأكبر وإبنها الأكبر أيضا .ومن يومها وهي تنتقل من طبيب إلى آخر ومن تعاطي دواء إلى آخر ومن يومها وخطواتها تتباطأ وحركتها تقل وحيويتها تختفي .
لقد اضطر زوجها إلى تغيير البيت العربي الذي يمتاز بكل ما تمتاز به البيوت العربية نزولا عند طلب الطبيب الذي حذر ، ربما متأخرا ، من أي تعب تواجهه أو أي مجهود أو تعب يمكن أو يؤثر على قلبها ولأن البيت العربي يضطرها إلى الصعود على درج يزيد عن العشرين درجة والنزول منه كل يوم عدة مرات إلى بيت أرضي في عمارة في منطقة هادئة تحيط بها حديقة جميلة ولا تضطر فيها إلى بذل أي مجهود في الإنتقال داخلها ولكنها بعيدة عن مدارس الأولاد ومكان عمل زوجها وبذلك اضطرت عائلتها إلى ترك الحارة التي نشأت بها والجيران الأحباء والأهل الذين يسكنون في نفس الحارة الشعبية إلى منطقة حديثة من مدينة دمشق التي تعشقها منذ وعت الدنيا .
تذكرت في لحظات التمشاية ؛ الساعات الطويلة التي كانت تمضيها مع أوجاعها وهي جالسة على( المشرأة ) –شرفة الغرفة العالية –في البيت العربي لوحدها الجميع خارج البيت ما عدا الآلام التي على ما كان يتراءى لها تنتظر الجميع حتى يخرجوا من البيت لتزورها وحدها فلا أحد يسمع أنين أوجاعها وأنينها ..حتى أصغر أولادها لم يكن ليدرك بعد أي شيء ..فقد كان يقبل بنهم على حليبه من صدرها الذي لم تكن تستطيع أن تمنعه عنه رغم آلامها وأوجاعها لدرجة لم تعد تفكر بنفسها بل كانت تخشى أن تكون لآلامها تأثير على الحليب الذي يرضعه ولكن ماذا تفعل ؟.يجب أن يرضعه .والطبيب لم يمنعها عن إرضاعه وما كان أصعب تلك اللحظات التي يعود فيها أحد أولادها من المدرسة أو من مشوار ما ويدق بواسطة (السقاطة ) أو يقرع الجرس ويكون عليها أن تنزل العشرين درجة وهي تحمل الآلام والأورام أو الإنتفاخات في قدميها التي أحيانا لا تستطيع تحملها لتفتح الباب دون أن تصرح بأي شيء لأي من الأولاد ولا حتى لزوجها الذي عرف ذلك متأخرا وبالصدفة عندما عاد ذات مرة إلى البيت في غير موعده المعتاد ليكتشف حالتها و يستمع إلى جزء من أنينها دون أن تشعر بوجوده ومن يومها وزع على كل واحد من أولاده مفتاحا للبيت واشتكاها للطبيب بأنها تتوجع وتئن دون أن تخبر أحدا وأنها تنزل وتصعد درج البيت عدة مرات كل يوم وتذكر جيدا ما قاله الطبيب لها يوما من أن صعود الدرج لمريض القلب بمثابة /منشار ينشر بالقلب / ومن لحظتها أقسم زوجها أن يغير البيت ؛ رغم حبه له .إلى بيت لا يحتوي على درج . وكان ما كان حيث تم الانتقال خلال يوم واحد تاركين أكثر من نصف أغراضهم في البيت العربي ولم يحملوا معهم للشقة إلا العفش المهم والضروري.
كانا يسيران معا في طريق العودة للبيت كعريس وعروس حسب وصفها أو كعاشق ومعشوقة حسب وصفه إلا أن كلا منهما لا يجد ما يقوله للآخر كان منظرهما في الشارع رائعا هو يحتويها بيمينه وهي تحتويه بيسارها. هو يعانق الدنيا من خلالها ؛ وهي تلتصق به وكأنها تتوحد معه في جسم واحد .كان ذراعها الأيسر يلفه بحنان المشتاق للحنان طالما انه قريب من قلبها ورأسها يكاد ينام على كتفة كانت تبحث لديه عن حياة عن أمل عما يجدد لها الحياة ويعيد الحيوية لقلبها الشاب كانت تستدفئ عنده كأجمل ما يكون الدفء .. وكأنها افتقدت الأمل وتلتمسه لديه وتجرب الحظ عنده .
أفكار طارئة أخرجتها عن طورها وتصرفات جعلتها تنسى ما هي عليه ؟.
كان يحلق بأفكاره وهو ينقل خطواته بقدر خطواتها ويخفي في عمق أعماقه مشاعر ألم ، مشاعر غضب ، مشاعر خوف ، يتخيل يوم دخل البيت العربي الذي فتحه بالمفتاح الذي سلمه له والده كان يحسب أنها نائمة فدخل بكل هدوء ليفاجأ بأنينها في منظر لم ولن ينساه فقد كانت تجمع نفسها بين قدميها وذراعيها وهي مرمية على حافة الدرج من أعلاه وتضغط على وسادة صغيرة على بطنها وصوتها مسموع من أرض الديار ومن قرب باب الدار من شدة الأنين والتأوه وكأن الوسادة ستمتص الألم ..
أنصت ولم يصدق ..وانهالت دموعه.. فخرج خارج الدار ..ثم عاد مسرعا بعد أن حاول مسح دموعه ..وهو يحدث جلبة وأصواتا ..ليجد إمرأة أخرى غير تلك التي سمع أنينها .. وقفت ورحبت بعودته بإبتسامة طالما استقبلته بها طوال عمره ..
بادرها بالسؤال عن حالتها وكيف أمضت اليوم فقالت بكل رقة : الحمد لله الحمد لله ..اليوم أحسن ؛ وكل يوم أحسن من الذي قبله ؟..
ولكنه لم يستطع الإستمرار في الإستماع إلى ما تقوله وهو متأكد أنها تتألم لتخفي عنه فدخل غرفة وتمالك نفسه للحظات ثم خرج وجلسا معا ومن يومها لم يخرج من البيت إلا للمشاوير الضرورية كالمدرسة والعمل ويحرص على الجلوس معها وعدم تركها وحدها دون أن يشعرها أنه يعرف أي شيء عن آلامها وأنينها الذي سمعه دون أن تشعر به .
لم يكن يتصور للحظة واحدة أن آلامها ستعيش معها هذه الفترة الزمنية الطويلة فقد كان يعتقد أنه ولمجرد الإنتقال من البيت سترتاح من الدرج الذي حذر منه الطبيب وتنتهي الآلام وتعود لطبيعتها الأولى تدريجيا .
لقد كانت امرأة رائعة الجمال تفيض بالحنان والحب والعطاء لجميع من حولها وبلا حساب .كانت تصحو كل يوم باكرا جدا وتجهز أطفالها للخروج للمدرسة .. توقظهم وتساعدهم في الواجبات الصباحية وتعد الإفطار واللفافات التي يحملونها معهم للمدرسة وتنتظر عودتهم وتستقبلهم بأحلى إبتسامة حب وحنان ..وكم تبدو الفرحة والسعادة على وجهها وهي ترقبهم يأكلون الغداء وتستمع إلى خلافاتهم الصغيرة ..حيث ما أن ينتهي من تناول الغذاء حتى يختلف مع شقيقه الأكبر مباشرة (الروسية ) على من سيرفع المواعين إلى المطبخ ويمسح طاولة الطعام ..وعلى من سيحمل الغداء لوالدهما في الدكان .. أيامها كان في الصف الثالث الإبتدائي وشقيقه في الرابع الإبتدائي وقد قال لهما والدهما : من يحضر الغذاء سيحصل على (فرنك )/الفرنك يساوي خمسة قروش والليرة تساوي عشرين فرنكا /فكان هذا أحد أسباب خلافاتهما رغم أن على كل منهما أن يعود للمدرسة دون تأخير حيث كان الدوام المدرسي يمتد على فترتين صباحية من الثامنة حتى الثانية عشرة وبعد الظهر تمتد من الواحدة والنصف وحتى الرابعة حيث يذهب كل منهما إلى الدكان لمساعدة الوالد في عمله الذي علمهما إياه قائلا : "أن مهنة في اليد أمان من الفقر" وبنفس الأسلوب كان يحمسهما والدهما قائلا :" من يصل الدكان عصرا قبل الآخر له أيضا فرنك زيادة عن الأخر" فكان الإثنان ما إن يرميان حقيبة المدرسة في البيت حتى ينطلقا في سباق ركضا ولعدة كيلو مترات لقطع المسافة الفاصلة بين البيت والدكان ويتذكر وهو يتمشى إلى جانبها كيف وضع شقيقه إحدى قدميه أمامه وهما يركضان ليوقعه أرضا حتى يتمكن من تأخيره والوصول قبله إلى الدكان ليس حبا بالعمل فهو كان يكرهه بل للحصول على الفرنك الإضافي ويثبت أنه الأسرع والأفضل واستذكر كيف تمكن من إيقاعه أرضا في يوم شتائي ماطر ترك على الطريق وحلا لزجا فكان ذلك سببا أخر لسقوطه بشدة وتمزق بنطاله وجرح ركبته وتلوث ثيابه ويتذكر كيف نهض من الأرض رغم سقوطه وتابع السير رغم أنه لم يستطع اللحاق بشقيقه ولكنه لم يتأخر عنه إلا بضع خطوات وابتسم لأن والده لاحظ تلوث ثيابه وصدق روايته إن شقيقه أوقعه أرضا بالزق فحكم بإعطاء كل منها فرنكا إضافيا وعنف الكبير منهما لفعلته .
لاحظت وهي تسير بجانبه ابتسامته وسألته لماذا يبتسم فروى لها القصة فابتسمت وتابعت بثقل خطواتها بينما واصل هو مسلسل ذكرياته عندما كانوا يعودون في ساعة متأخرة من الليل هو وشقيقه ووالدهما وهم يحملون قطعة من الحلاوة الطحينية التي اشتراها الوالد من عند السمان الذي إعتاد أن يشتري من عنده كل ليلة مادة من المواد الغذائية كالحلاوة أو الزيتون أو الجبن أو القشقوان أو المرتديلا وتذكر بابتسامة أكبر كيف كان والدهما يحرص على مفاجأة أمهما لدى عودته و يؤكد عليهما ألا يحدثا ضجيجا لدى الدخول إلى البيت وبعد أن يفتح الوالد باب الدار يدخلوا على مهل ويغلق الباب ويقطعون الدهليز إلى صحن الدار أو(أرض الديار ) ويقفوا جميعا في منتصف الديار ويغنوا جميعهم وبصوت واحد : "بدنا نأكل حلاوة يا حلاوة يا حلاوة "؟؟؟... ويكررونها مرة أو مرتين تكون أمهما سمعت الصوت وخرجت من الغرفة العالية وتضيء لهم الضوء وترحب بهم ويصعدوا إليها عشرين درجة ليصلوا ويسلم الوالد عليها ويقبلا ن هو وأخوه يديها قائلين:" نحن جائعين جائعين.. " ...ويبتسم ..
تلاحظ إبتسامته وهي تسير إلى جانبه كالعروس والعريس وتسأله وللمرة الثانية :ما سبب إبتسامتك ؟؟..فيقول لها تذكرت عندما كنا نعود إلى البيت مساء ونناديك من أرض الديار :بدنا نأكل حلاوة يا حلاوة ..فتقاطعه وتكمل عنه : يا حلاوة يا حلاوة وكنت أسمعكم وأضيء لكم النور وأخرج مسرعة لأراكم وتكون أسعد أوقاتي؟؟! . نعم أذكر تلك الأيام الجميلة كنتم صغارا وكنا أنا وأبوكم نراقبكم وأنتم تكبرون وأقول له : انظر إلى أولادنا كيف يكبرون كأنهم عمارات كل يوم نضع في بنائها بلوكه أو حجرا لنكمل بناءها كنتم يومها أربع عمارات واليوم أنتم ستة عمارات بعضها اكتمل والحمد لله والآخر سنكمله . وتصمت قليلا وتقول بسخرية : "نكمله" !؟ كيف سنكمله بل ربما هو الذي سيكمله وحده والدكم سيكمل العمارات لوحده حتى تكتمل . ويقاطعها : بل أنت ستكونين معه وتكملان البناء معا ولن نكون سعداء إلا إذا كنا معا .انك ستتعافين وستعود الفرحة كما كانت وسنكون العروس والعريس أنا متأكد من ذلك .
ويقتربان من البيت في طريق العودة من التمشاية التي استمرت أكثر من ساعة ونصف ولدى الوصول سمعا صوت صفارة الإنذار الثانية التي تعني إنتهاء الغارة التجريبية وعودة والده الى البيت..
التمشاية حول الحديقة انتهت.. ولكن حكاية العروس والعريس التي ولدت معهما لم تنته بعد ؛ كما أن " بعض" أبطالها لا يزالون على قيد الحياة .. وخصوصا العمارات الستة .؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق