نشرت بجريدة الشرق القطرية يوم الاثنين بتاريخ 8/7/2002 .
بياع البوشار
كان يحمل كيسا كبيرا من النايلون يحتوي على خمسين كيسا صغيرا من البوشار (الفشار)ويتجول في الحديقة العامة لأول مرة في حياته. فقد سمع من رفيقه "ياسر" في المدرسة انه يكسب كثيرا من بيع البوشار في الحديقة العامة أيام العطلات . واستفسر منه عن تفاصيل ذلك والمكان الذي يحصل منه على البوشار. والمبلغ الذي عليه أن يدفعه، والمبلغ الذي ينتظر أن يجمعه .. وانتظر يوم العطلة. وذهب إلى الدكان التي دله عليها . واشترى خمسين كيسا من البوشار بليرة سورية واحدة ؛ بحيث إذا باع الكيس الواحد بفرنك واحد وباعها كلها فانه سيجمع ليرتين ونصف الليرة (الليرة تعادل 2. فرنكا). فإذا اشترى هدية لأمه بليرة ونصف في يوم الأم يبقى معه ليرة و سيحقق حلمه بان يصبح مثل الطفل بطل القصة التي سمعها من المعلم في المدرسة كما فعل رفيقه "ياسر" الذي قال له انه استطاع من عمل يوم واحد في بيع البوشار أن يشتري لوالدته هدية بعيد الأم.
أخذ ينادي على البوشار في الحديقة العامة وهو يتجول في أرجائها ويراقب بشكل خاص الأطفال من عمره .كان يعتقد انه سيكون سعيدا بما يقوم به طالما انه تمنى طويلا مثل هذه اللحظات .ولكنه لم يكن كذلك؛ فقد خرج من البيت ؛ واشترى البوشار؛ وتوجه إلى الحديقة؛ دون علم والده ؛ أو اخوته؛ وحتى دون علم أخيه الأكبر مباشرة والذي عادة لا يفارقه. ولا يخفي عنه أي شيء . الا انه اخبر والدته التي رفضت في البداية ثم ما لبثت أن وافقت و شجعته عندما حكى لها عن رفيقه ياسر ولمست إصراره على القيام بهذا العمل وبعد أن أوضحت له أن زميله يتمنى أن يكون لوالده مثل ما لوالدك دكانا ليعمل بها أيام العطلات ويتعلم فيها مهنة تدر عليه الفائدة .بدل أن يدور في الحديقة . وتذكر وصية والدته بألا يخرج إلى الشارع لبيع البوشار حيث السيارات وأن يكتفي بالبيع في الحديقة .
أدرك أن كلام والدته يشبه كلام المعلم الذي قال أيضا لو كان للطفل بطل القصة التي رويتها لكم مكانا يعمل فيه لما اشتغل بائعا متجولا إن العمل ليس عيبا ولكن على الإنسان أن يكون طموحا فلا يقبل بأدنى وأسهل الأمور بل عليه متابعة الدراسة حتى الجامعة لأن العلم مطلوب لأي عمل ولكن عندما لا يجد المرء فرصة لتحقيق الأفضل فلا يستسلم بل يأخذ الفرص الأدنى حتى لو اضطر للعمل بائعا متجولا وهي مهنة من لا مهنة له ولا تحتاج إلى أي إمكانيات ولكنها عمل شريف. والعمل الشريف مهما كان متدنيا ليس عيبا وأفضل ألف مرة من الجلوس بلا عمل أو اللجوء إلى عمل غير شريف .
مرت اكثر من ساعة ؛ كانت طويلة.. طويلة دون أن يطلب أحد منه كيس بوشار واحد. وتعبت قدماه وهو يذهب ويعود وأدرك كم من التعب يشعر به رفيقه "ياسر" . وبالمقابل كم هو مرتاح في دكان والده حيث يعمل وهو جالس يستمع إلي الراديو ولا يصرخ ولا ينادي ولا ينتظر أي شخص ليشتري منه ..ويتساءل : ماذا لو عرف والدي بما فعلته ؟ كيف سأواجهه ؟ وماذا سأقول له ؟ إذا سألني : لماذا لم تأت اليوم إلى الدكان ؟ .وربما يكون هناك عمل بانتظاري !!. وربما هو أيضا ينتظرني !؟. ويسأل نفسه مستنكرا : كيف فعلت ذلك ؟ وماذا فعلت أنا ؟.ثم حاول إقناع نفسه بان العمل ليس عيبا طالما كان عملا شريفا والبيع عمل شريف . ولكن العمل عند والدي أيضا عمل شريف. واكسب منه؛ فلماذا تركت والدي وحده في العمل ؟.إنه لا يحب أن يبيع ابنه البوشار في الشوارع أو حتى في الحديقة. وسيقول لي أن الدكان بحاجة إليك ، وأنت تكسب من عملك في الدكان بشكل جيد. ويهمس بينه وبين نفسه : نعم إنني اكسب في الدكان بشكل جيد والليرة التي اشتريت بها البوشار وفرتها من العمل في الدكان ؟. ولكن الليرة تحتاج مني عمل عدة أيام. أما ببيع البوشار فاربح ليرة ونصف خلال ساعات فقط؛ كما قال لي"ياسر" ؟!. ولكنني عندما أعمل في دكان أبي فإنه يكسب من عملي ؛ فإذا أعطاني أجرة (ربع ليرة) في اليوم أكون قد عملت بما يوازي عدة ليرات يكسبها والدي من عملي ؛ ويتذكر قول أخيه الأكبر؛ قال لي "عمي " : ( إن الجهد الذي تقوم به في دكان والدك في اليوم يكسب منه والدك خمس إلى ست ليرات ويعطيك مقابله نصف ليرة ). .مما جعل أخي يتحمس ويطلب من والدي زيادة الأجرة التي يتقاضاها رغم انه يتقاضى ضعف ما أتقاضى أنا ؛ وعرض "عمي "على أخي أن يعمل لديه ويعطيه ضعفي ما يعطيه والدي .وشعر والدي بما يفعله شقيقه مع ابنه ؛ وتأثر كثيرا ...!! . واليوم عندما يعلم والدي أنني لم اذهب للعمل وأنني أعمل بائع بوشار في الحديقة سيتأثر أكثر فأكثر . ولكن ربما إذا علم والدي أنني كسبت ليرة ونصف خلال ساعات قليلة قضيتها في الحديقة فانه لن يغضب مني وسيسامحني . ويتابع : ولكن هناك عمل علي إنجازه ووالدي ينتظرني لأنجزه له ؟. وإذا لم ينجز فانه لن يكسب من المال ما يكفي لشراء احتياجات البيت . وكما يقول والدي دائما إن البيت يحتاج إلى الكثير الكثير من نكاشة البابور (موقد الكيروسين ) إلى البراد والغسالة والملبس مرورا بالسمن والزيت واللحم والرز والخبز والحليب والسكر والشاي والخضار والفواكه وأشياء أخرى كثيرة كالكهرباء والماء وإصلاح البيت بين فترة وأخرى كل هذا وغيره يحتاج إلى المال . ويتساءل : من أين يأتي المال إذا لم تعملوا معي وتساعدوني أنت واخوتك ؟.ويؤكد دائما أن تعاوننا كفيل بحل جميع المشكلات وتلبية الاحتياجات .
نظر إلى ذاك الطفل مع والده وأمه يتنزهان في الحديقة فصاح بأعلى صوته : البوشار ع البوشار بفرنك البوشار ؛ قاصدا أن يسمعهم صوته . وكم كانت سعادته كبيره ولا توصف عندما اقترب منه الطفل ووالده وطلبا منه كيس بوشار وسلمهما الكيس دون أن ينظر إلى وجه أي منهما وفجأة سمع والد الطفل يناديه باسمه فنظر إلى وجهه و عرفه ، وارتبك ، وخجل ، وحاول أن يخفي وجهه خلف كيس البوشار الكبير بصورة لا إرادية. وأدار وجهه إلى الجهة المعاكسة. فناداه الرجل ثانية باسمه . فترك كيس البوشار الكبير بمحتوياته على الأرض وأخذ يعدو هاربا باتجاه باب الحديقة .
عندما عاد إلى البيت منهكا بعد حوالي ثلاث ساعات من خروجه منه ؛ شرب الماء حتى ارتوى من شدة العطش ؛ كانت أمه مسرورة لأنه عاد إلى البيت وليس معه أي كيس من البوشار .معتقدة انه باعها جميعا . فانتظرته ليخبرها عن تجربة أول يوم عمل شاق يقوم به في حياته كبائع متجول .ولكنه بقي صامتا صمتا محيرا . تساءلت : تر ى لماذا هو صامت هكذا ؟ . وسألته : ماذا بك يا حبيبي ؟ . وكيف كان يومك ؟. وهل حققت حلمك بالعمل في الحديقة كبائع متجول ؟ . كيف وجدته ؟ . ولكنه بقي صامتا !. ولم تنجح جميع محاولاتها أن تجعله يتكلم .
نام حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي . وحاولت أمة إيقاظه للذهاب إلى المدرسة ولكنها تركته نائما عندما لمست جبينه ؛ ووجدت أن حرارته مرتفعة ؛ فأعطته مخفضا للحرارة . وتركته ينام .نام طويلا وسمعت صوته وهو يهذي من شدة الحرارة .. (البوشار.. البوشار ..عيد الأم .. أبي .. لا ..لا لن أبيع البوشار .. المعلم ..) .تركته عندما شعرت انه بدأ يتحسن . وفي أخر النهار طرق باب البيت. كان عند الباب طفل ورجل يبدو انه والده سلما عليها عندما فتحت لهما ؛ وسألها الرجل عن ابنها قائلا : أنا معلم المدرسة ؛ وهو لم يداوم اليوم وانشغلت عليه و اريد أن أراه إذا سمحت . رحبت به وأخبرته أنه تعبان وحرارته مرتفعة . فأصر المعلم على طلبه . فأدخلتهما عليه.
وشعر بوجودهما .ونهض وسلم المعلم عليه ؛ فارتبك وخجل و أدار وجهه إلا أن المعلم أمسك برأسه برفق وقال له : لماذا تركت كيس البوشار أمس في الحديقة وذهبت ؟. فاطرق برأسه وبقي صامتا. فأعاد المعلم عليه السؤال .ثم طلب من ابنه أن يكلمه .فقال له الطفل : إنني بعت لك جميع أكياس البوشار التي تركتها في الحديقة .لقد كانت خمسين كيسا . وجمعت لك ليرتين ونصف قيمتها. وقد ساعدني والدي في بيعها. والأطفال بعد ذهابك كانوا كثيرون. ولم استطع تلبية جميع طلباتهم .ولو كان لدينا مائة كيس أخرى كنا بعناها خلال ساعة واحدة .ثم قال له تفضل .ودفع إليه كمية من النقود. وقال المعلم له :خذها منه ولا تخجل ؛ فأنت لم تفعل عملا معيبا ؛ فالعمل الشريف النظيف ليس عيبا وأنت طفل ممتاز . وأنا مسرور منك وطلبت من ابني أن يبيع لك بضاعتك . بل وساعدته في ذلك. وجمعنا لك قيمة المبيعات فخذها فهي من حقك وأريدك غدا في المدرسة .وسلم عليه وخرج مع ابنه .
ولما جاءت أمه لتقدم للضيوف" المرطبات" علمت بخروجهما ووجدت ابنها وقد عاد إلى طبيعته ونهض من السرير وخرج من البيت مسرعا بعد أن اخذ الإذن منها . وعاد إليه بعد نصف ساعة ومعه زجاجة عطر قدمها لوالدته وهو يقول لها : "كل عام وأنت بخير" . وكل "عيد الأم" وأنت بألف خير يا أمي ...
حررت في31 / 3/2002الدوحة.
*** نشرت بصحيقة الشرق القطرية بتاريخ 8-7- 2002
كان يحمل كيسا كبيرا من النايلون يحتوي على خمسين كيسا صغيرا من البوشار (الفشار)ويتجول في الحديقة العامة لأول مرة في حياته. فقد سمع من رفيقه "ياسر" في المدرسة انه يكسب كثيرا من بيع البوشار في الحديقة العامة أيام العطلات . واستفسر منه عن تفاصيل ذلك والمكان الذي يحصل منه على البوشار. والمبلغ الذي عليه أن يدفعه، والمبلغ الذي ينتظر أن يجمعه .. وانتظر يوم العطلة. وذهب إلى الدكان التي دله عليها . واشترى خمسين كيسا من البوشار بليرة سورية واحدة ؛ بحيث إذا باع الكيس الواحد بفرنك واحد وباعها كلها فانه سيجمع ليرتين ونصف الليرة (الليرة تعادل 2. فرنكا). فإذا اشترى هدية لأمه بليرة ونصف في يوم الأم يبقى معه ليرة و سيحقق حلمه بان يصبح مثل الطفل بطل القصة التي سمعها من المعلم في المدرسة كما فعل رفيقه "ياسر" الذي قال له انه استطاع من عمل يوم واحد في بيع البوشار أن يشتري لوالدته هدية بعيد الأم.
أخذ ينادي على البوشار في الحديقة العامة وهو يتجول في أرجائها ويراقب بشكل خاص الأطفال من عمره .كان يعتقد انه سيكون سعيدا بما يقوم به طالما انه تمنى طويلا مثل هذه اللحظات .ولكنه لم يكن كذلك؛ فقد خرج من البيت ؛ واشترى البوشار؛ وتوجه إلى الحديقة؛ دون علم والده ؛ أو اخوته؛ وحتى دون علم أخيه الأكبر مباشرة والذي عادة لا يفارقه. ولا يخفي عنه أي شيء . الا انه اخبر والدته التي رفضت في البداية ثم ما لبثت أن وافقت و شجعته عندما حكى لها عن رفيقه ياسر ولمست إصراره على القيام بهذا العمل وبعد أن أوضحت له أن زميله يتمنى أن يكون لوالده مثل ما لوالدك دكانا ليعمل بها أيام العطلات ويتعلم فيها مهنة تدر عليه الفائدة .بدل أن يدور في الحديقة . وتذكر وصية والدته بألا يخرج إلى الشارع لبيع البوشار حيث السيارات وأن يكتفي بالبيع في الحديقة .
أدرك أن كلام والدته يشبه كلام المعلم الذي قال أيضا لو كان للطفل بطل القصة التي رويتها لكم مكانا يعمل فيه لما اشتغل بائعا متجولا إن العمل ليس عيبا ولكن على الإنسان أن يكون طموحا فلا يقبل بأدنى وأسهل الأمور بل عليه متابعة الدراسة حتى الجامعة لأن العلم مطلوب لأي عمل ولكن عندما لا يجد المرء فرصة لتحقيق الأفضل فلا يستسلم بل يأخذ الفرص الأدنى حتى لو اضطر للعمل بائعا متجولا وهي مهنة من لا مهنة له ولا تحتاج إلى أي إمكانيات ولكنها عمل شريف. والعمل الشريف مهما كان متدنيا ليس عيبا وأفضل ألف مرة من الجلوس بلا عمل أو اللجوء إلى عمل غير شريف .
مرت اكثر من ساعة ؛ كانت طويلة.. طويلة دون أن يطلب أحد منه كيس بوشار واحد. وتعبت قدماه وهو يذهب ويعود وأدرك كم من التعب يشعر به رفيقه "ياسر" . وبالمقابل كم هو مرتاح في دكان والده حيث يعمل وهو جالس يستمع إلي الراديو ولا يصرخ ولا ينادي ولا ينتظر أي شخص ليشتري منه ..ويتساءل : ماذا لو عرف والدي بما فعلته ؟ كيف سأواجهه ؟ وماذا سأقول له ؟ إذا سألني : لماذا لم تأت اليوم إلى الدكان ؟ .وربما يكون هناك عمل بانتظاري !!. وربما هو أيضا ينتظرني !؟. ويسأل نفسه مستنكرا : كيف فعلت ذلك ؟ وماذا فعلت أنا ؟.ثم حاول إقناع نفسه بان العمل ليس عيبا طالما كان عملا شريفا والبيع عمل شريف . ولكن العمل عند والدي أيضا عمل شريف. واكسب منه؛ فلماذا تركت والدي وحده في العمل ؟.إنه لا يحب أن يبيع ابنه البوشار في الشوارع أو حتى في الحديقة. وسيقول لي أن الدكان بحاجة إليك ، وأنت تكسب من عملك في الدكان بشكل جيد. ويهمس بينه وبين نفسه : نعم إنني اكسب في الدكان بشكل جيد والليرة التي اشتريت بها البوشار وفرتها من العمل في الدكان ؟. ولكن الليرة تحتاج مني عمل عدة أيام. أما ببيع البوشار فاربح ليرة ونصف خلال ساعات فقط؛ كما قال لي"ياسر" ؟!. ولكنني عندما أعمل في دكان أبي فإنه يكسب من عملي ؛ فإذا أعطاني أجرة (ربع ليرة) في اليوم أكون قد عملت بما يوازي عدة ليرات يكسبها والدي من عملي ؛ ويتذكر قول أخيه الأكبر؛ قال لي "عمي " : ( إن الجهد الذي تقوم به في دكان والدك في اليوم يكسب منه والدك خمس إلى ست ليرات ويعطيك مقابله نصف ليرة ). .مما جعل أخي يتحمس ويطلب من والدي زيادة الأجرة التي يتقاضاها رغم انه يتقاضى ضعف ما أتقاضى أنا ؛ وعرض "عمي "على أخي أن يعمل لديه ويعطيه ضعفي ما يعطيه والدي .وشعر والدي بما يفعله شقيقه مع ابنه ؛ وتأثر كثيرا ...!! . واليوم عندما يعلم والدي أنني لم اذهب للعمل وأنني أعمل بائع بوشار في الحديقة سيتأثر أكثر فأكثر . ولكن ربما إذا علم والدي أنني كسبت ليرة ونصف خلال ساعات قليلة قضيتها في الحديقة فانه لن يغضب مني وسيسامحني . ويتابع : ولكن هناك عمل علي إنجازه ووالدي ينتظرني لأنجزه له ؟. وإذا لم ينجز فانه لن يكسب من المال ما يكفي لشراء احتياجات البيت . وكما يقول والدي دائما إن البيت يحتاج إلى الكثير الكثير من نكاشة البابور (موقد الكيروسين ) إلى البراد والغسالة والملبس مرورا بالسمن والزيت واللحم والرز والخبز والحليب والسكر والشاي والخضار والفواكه وأشياء أخرى كثيرة كالكهرباء والماء وإصلاح البيت بين فترة وأخرى كل هذا وغيره يحتاج إلى المال . ويتساءل : من أين يأتي المال إذا لم تعملوا معي وتساعدوني أنت واخوتك ؟.ويؤكد دائما أن تعاوننا كفيل بحل جميع المشكلات وتلبية الاحتياجات .
نظر إلى ذاك الطفل مع والده وأمه يتنزهان في الحديقة فصاح بأعلى صوته : البوشار ع البوشار بفرنك البوشار ؛ قاصدا أن يسمعهم صوته . وكم كانت سعادته كبيره ولا توصف عندما اقترب منه الطفل ووالده وطلبا منه كيس بوشار وسلمهما الكيس دون أن ينظر إلى وجه أي منهما وفجأة سمع والد الطفل يناديه باسمه فنظر إلى وجهه و عرفه ، وارتبك ، وخجل ، وحاول أن يخفي وجهه خلف كيس البوشار الكبير بصورة لا إرادية. وأدار وجهه إلى الجهة المعاكسة. فناداه الرجل ثانية باسمه . فترك كيس البوشار الكبير بمحتوياته على الأرض وأخذ يعدو هاربا باتجاه باب الحديقة .
عندما عاد إلى البيت منهكا بعد حوالي ثلاث ساعات من خروجه منه ؛ شرب الماء حتى ارتوى من شدة العطش ؛ كانت أمه مسرورة لأنه عاد إلى البيت وليس معه أي كيس من البوشار .معتقدة انه باعها جميعا . فانتظرته ليخبرها عن تجربة أول يوم عمل شاق يقوم به في حياته كبائع متجول .ولكنه بقي صامتا صمتا محيرا . تساءلت : تر ى لماذا هو صامت هكذا ؟ . وسألته : ماذا بك يا حبيبي ؟ . وكيف كان يومك ؟. وهل حققت حلمك بالعمل في الحديقة كبائع متجول ؟ . كيف وجدته ؟ . ولكنه بقي صامتا !. ولم تنجح جميع محاولاتها أن تجعله يتكلم .
نام حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي . وحاولت أمة إيقاظه للذهاب إلى المدرسة ولكنها تركته نائما عندما لمست جبينه ؛ ووجدت أن حرارته مرتفعة ؛ فأعطته مخفضا للحرارة . وتركته ينام .نام طويلا وسمعت صوته وهو يهذي من شدة الحرارة .. (البوشار.. البوشار ..عيد الأم .. أبي .. لا ..لا لن أبيع البوشار .. المعلم ..) .تركته عندما شعرت انه بدأ يتحسن . وفي أخر النهار طرق باب البيت. كان عند الباب طفل ورجل يبدو انه والده سلما عليها عندما فتحت لهما ؛ وسألها الرجل عن ابنها قائلا : أنا معلم المدرسة ؛ وهو لم يداوم اليوم وانشغلت عليه و اريد أن أراه إذا سمحت . رحبت به وأخبرته أنه تعبان وحرارته مرتفعة . فأصر المعلم على طلبه . فأدخلتهما عليه.
وشعر بوجودهما .ونهض وسلم المعلم عليه ؛ فارتبك وخجل و أدار وجهه إلا أن المعلم أمسك برأسه برفق وقال له : لماذا تركت كيس البوشار أمس في الحديقة وذهبت ؟. فاطرق برأسه وبقي صامتا. فأعاد المعلم عليه السؤال .ثم طلب من ابنه أن يكلمه .فقال له الطفل : إنني بعت لك جميع أكياس البوشار التي تركتها في الحديقة .لقد كانت خمسين كيسا . وجمعت لك ليرتين ونصف قيمتها. وقد ساعدني والدي في بيعها. والأطفال بعد ذهابك كانوا كثيرون. ولم استطع تلبية جميع طلباتهم .ولو كان لدينا مائة كيس أخرى كنا بعناها خلال ساعة واحدة .ثم قال له تفضل .ودفع إليه كمية من النقود. وقال المعلم له :خذها منه ولا تخجل ؛ فأنت لم تفعل عملا معيبا ؛ فالعمل الشريف النظيف ليس عيبا وأنت طفل ممتاز . وأنا مسرور منك وطلبت من ابني أن يبيع لك بضاعتك . بل وساعدته في ذلك. وجمعنا لك قيمة المبيعات فخذها فهي من حقك وأريدك غدا في المدرسة .وسلم عليه وخرج مع ابنه .
ولما جاءت أمه لتقدم للضيوف" المرطبات" علمت بخروجهما ووجدت ابنها وقد عاد إلى طبيعته ونهض من السرير وخرج من البيت مسرعا بعد أن اخذ الإذن منها . وعاد إليه بعد نصف ساعة ومعه زجاجة عطر قدمها لوالدته وهو يقول لها : "كل عام وأنت بخير" . وكل "عيد الأم" وأنت بألف خير يا أمي ...
حررت في31 / 3/2002الدوحة.
*** نشرت بصحيقة الشرق القطرية بتاريخ 8-7- 2002
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق