شنطة مدرسية
"اقتربت ايام المدرسة وستعود اليها ونتخلص منك ومن ضجيجك ومن شجارك مع اخوتك !! فجميعكم ستذهبوون وسيرتاح البيت منكم ويرتاح رأسنا من اصواتكم ,والحمد لله العطلة مرت وانتهت رغم انها طويلة جدا ويزيدها شعور بالطول ما فعلتموه من معاكسات ..هيا عليكم اليوم ان تعدوا انفسكم للمدرسة وتهيؤا اغراضكم .. من القلم والممحاة والدفتر والمسطرة "
كانت كلمات والدته تتردد في رأسه كلمة من هنا وأخرى من هناك ولكنه متأكد من ان كلامها كما كان والده يقول :"ليس من قلبها ..فهي ستحزن اول ايام المدرسة وليس كما ذكرت تفرح وترتاح" .
صحيح انه وشقيقه الاكبر كانا دائمي الشجار واللعب واللهو الا ان والدتهما لا تستطيع ان تقعد دون سماع الاصوات التي يصدرونها والا فتراها تقوم وتبحث عنهما لتتاكد أنهما بخير .. اذا كانا صامتين لسبب ما وتسعى لمعرفة السبب دون ان تثير فضولهما .
كان يجلس بجانب رفيقه في المدرسة على المقعد نفسه وهو يفكر ويتذكر كلام والدته ..يومها اخذه والده الى "المسكية" قرب المسجد الاموي مع شقيقه الاكبر واشتروادفاتر واقلاما ومحايات ومساطر واشياء اخرى ضرورية للمدرسة من محل "ابو قورة" صديق والده .. لكنه لم يشتر شنطة جديدة!. فقد قال والده :"ان شنطة العام الماضي لاتزال جديدة وصالحة فاستعملها".
بينما اشترى لشقيقه شنطة جديدة وجميلة من الجلد الاسود الذي يحبه كثيرا ..لان شقيقه خرب شنطة العام الماضي ومزقها ولم تعد صالحة ؟؟وفكر :"لو انني خربت شنطتي لكان والدي قد اشترى لي واحدة جديدة مثل اخي ..اه انه يعرف كيف يحصل على الجديد.." ؟؟
ويذكر كم حزن لذلك وكم شعر بالندم او اشعر نفسه بذلك؟؟انتبه المعلم الى شروده فناداه "احمد..احمد " فانتبه للصوت .. وقال "نعم يااستاذ"..فساله:" ماذا كنت اقول؟؟."ارتبك وتلعثم ونظر الى رفيقه مستنجدا بكلمة او اشارة تساعده على الرد او على اي شيء ينقذه من غضب المعلم وحاول زميله مساعدته بان همس بكلمة "المدرسة"ولكنه لم يفهم عليه ان موضوع الدرس الذي سال عنه المعلم هو "المدرسة".
كان يطيل النظر الى شنط زملائه في الفصل وتنتقل نظراته من شنطة الى اخرى يميز بينها :"هذه اجمل".."لابل تلك اكثر جمالا" و"لكن شنطة ذاك تلمع اكثر لانها من الجلد الاصلي "..ثم ينظر الى شنطته البائسة القديمة التي يحملها منذ العام الماضي ويحافظ عليها كما علمه والده ان يحافظ على كل اغراضه التي يشتريها كما يحافظ على ثيابه لتبقى جديدة , ولكن هذه المحافظة ادت الى حرمانه من شنطة جديدة مثل شقيقه فماذا يفعل؟؟
مد يده ولمس شنطة زميله الذي بجانبه دون ان يشعره بذلك ..ولمست اصابعه جلد شنطة زميله وهمس في نفسه :"انها من الجلد ايضا وجديدة ورائحتها لاتزال بها " رائحةالجلد المميزة التي يميزها من بعيد ..وفجأة لاحظ زميله ذلك وضبط بنظراته اصابع يده وهي تمتد الى حقيبته .. وابتسم .. وسحب الشنطة اكثر فاكثر الى جانبه وكأنه يقول له :"اياك ان تعبث بها انها جديدة وليست مثل شنطتك القديمة التي كانت معك العام الماضي وماتزال تحافظ عليها "..وابتسم زميله بشكل ظاهر جيدا ابتسامة سخرية وكبرياء وكانه يقول له :"انني تخلصت من شنطة العام الماضي بطرقتي الخاصة التي استعملها كل عام لاحصل على شنطة جديدة؟؟".
مرة ثانية انتبه المعلم لاحمد وناداه باسمه ثانية وساله :"ماذا بك يا احمد وبماذا تفكر ؟".فلم يرد على المعلم ولكنه حاول ان يكون منتبها اليه..فهم المعلم قصة شنطة احمد وتأثر كثيرا له وتعمد ان يستدعي والده الى المدرسة ويطلب منه ان يشتري لابنه شنطة جديدة مثل زملائه فهو يستحق شنطة جديدة لانه يعرف كيف يحافظ عليها؟؟
فوجئ احمد في اليوم التالي بوالده يصطحبه معه الى سوق "الخجا" وطلب منه ان يختار شنطة جديدة مكافاة له لانه عرف كيف يحافظ على شنطة العام الماضي فاستحق شنطة جديدة واطال احمد النظر الى جميع الشنط المعروضة وغير المعروضة التي بدأ البائع يخرجها من من اماكن بعيدة عن النظر واستغرق اكثر من ساعة كاملة في عملية الاختيار الى ان قرر اختيار احدى الشنط التي كانت سوداء لامعة ولها قفلان ويد وحزام لحملها على الظهر ومن الداخل كان لها عدة جيوب وفتحات ومخابئ مع هدية قلم ومسطرة وبطاقة لكتابة الاسم عليها وكانت هذه الاخيرة اهم ما في الشنطة من ميزات بنظره واشتراها والده وحملها وكأنه يمتلك الدنيا وما فيها وكان يستعجل قدوم الغد ليذهب الى المدرسة وهي بيده متفاخرا بها امام رفاقه وخصوصا امام رفيقه بسام الذي يجاوره .
تلك الليلة لم ينم وهو يتحدث الى شقيقه عما سيكون عليه الموقف في الغد وكيف سيغار زملاؤه الى ان نام شقيقه وبقي سهرانا يكلم نفسه ويحلم بنفسه وهو يحمل الشنطة الجديدة الى المدرسة ويقول في نفسه :"ستكون شنطتي "اجدد"شنطة في الصف كله ولن انظر الى شنطة احد بل هم الذين سينظرون الى شنطتي ولن اغفل عن الدرس والمعلم بل الذين سيغفلون عنه وسيناديهم ويسألهم ولا يعرفون الاجابة ولكنني ساحاول ان اساعد بسام عندما يساله ولا يعرف الاجابة وسارفع صوتي ليسمع ولن اكون مثله .. امضى معظم ساعات الليل وهو يحلم بنفسه يدخل الى المدرسة حاملا الشنطة .. الى ان جاء الصباح ولم يستطع ان ينهض من الفراش بسبب قلة النوم وبقي في فراشه نائما متثاقلا الا ان شقيقه عرف كيف يجعله ينهض باسرع من البرق _كما يقال_فقط عندما ذكره بان لديه شنطة جديدة سيحمل بها كتبه الى المدرسة؟؟..
لم ينتبه له احد من زملائه رغم انه تعمد ان يلوح بشنطته الى الامام والوراء ويمينا ويسارا في المدرسة الى ان ساله المعلم عنها وبارك له بها ..فانتبه الجميع لشنطته الجديدة التي وضعها على المقعد من الاعلى ليروها جميعا وخوفا عليها من ان تتوسخ اذا وضعها على الارض ..الى ان طلب منه المعلم ان يضعها داخل درج المقعد ..ففعل..وبدأ ينتبه الى الدرس ويتابع المعلم تاركا الاخرين هذه المرة يتلهون عن الدرس منشغلين بشنطته وهو لايبالي من شدة السعادة والفرح والسرور .. واجاب على جميع اسئلة المعلم وحاول ان يساعد بسام في الرد على سؤال لم يعرف اجابته حيث كان مشغولا عن الدرس .. ولكن ليس بالنظر الى الشنطة وجمالها وبريقها بل كان مشغولا بشيء اخر كما كانت ملامح وجهه وارتباكه يقولان للمعلم, فقد ارتبك جدا عندما ساله ..وسقط من يده مقص انتبه لصوت سقوطه الجميع ونظروا اليه ..كان يعبث به واثار انتباه واستغراب الجميع بمن فيهم احمد ..وعندما انتهى الدرس ..وقرع الجرس..وهم احمد باعادة دفتره وادواته الى شنطته الجديدة وجدها نصفين كل نصف في مكان بعيد عن الاخر؟؟!!..
نشرت في الشرق بتاريخ 4-9-2002 العدد5193
"اقتربت ايام المدرسة وستعود اليها ونتخلص منك ومن ضجيجك ومن شجارك مع اخوتك !! فجميعكم ستذهبوون وسيرتاح البيت منكم ويرتاح رأسنا من اصواتكم ,والحمد لله العطلة مرت وانتهت رغم انها طويلة جدا ويزيدها شعور بالطول ما فعلتموه من معاكسات ..هيا عليكم اليوم ان تعدوا انفسكم للمدرسة وتهيؤا اغراضكم .. من القلم والممحاة والدفتر والمسطرة "
كانت كلمات والدته تتردد في رأسه كلمة من هنا وأخرى من هناك ولكنه متأكد من ان كلامها كما كان والده يقول :"ليس من قلبها ..فهي ستحزن اول ايام المدرسة وليس كما ذكرت تفرح وترتاح" .
صحيح انه وشقيقه الاكبر كانا دائمي الشجار واللعب واللهو الا ان والدتهما لا تستطيع ان تقعد دون سماع الاصوات التي يصدرونها والا فتراها تقوم وتبحث عنهما لتتاكد أنهما بخير .. اذا كانا صامتين لسبب ما وتسعى لمعرفة السبب دون ان تثير فضولهما .
كان يجلس بجانب رفيقه في المدرسة على المقعد نفسه وهو يفكر ويتذكر كلام والدته ..يومها اخذه والده الى "المسكية" قرب المسجد الاموي مع شقيقه الاكبر واشتروادفاتر واقلاما ومحايات ومساطر واشياء اخرى ضرورية للمدرسة من محل "ابو قورة" صديق والده .. لكنه لم يشتر شنطة جديدة!. فقد قال والده :"ان شنطة العام الماضي لاتزال جديدة وصالحة فاستعملها".
بينما اشترى لشقيقه شنطة جديدة وجميلة من الجلد الاسود الذي يحبه كثيرا ..لان شقيقه خرب شنطة العام الماضي ومزقها ولم تعد صالحة ؟؟وفكر :"لو انني خربت شنطتي لكان والدي قد اشترى لي واحدة جديدة مثل اخي ..اه انه يعرف كيف يحصل على الجديد.." ؟؟
ويذكر كم حزن لذلك وكم شعر بالندم او اشعر نفسه بذلك؟؟انتبه المعلم الى شروده فناداه "احمد..احمد " فانتبه للصوت .. وقال "نعم يااستاذ"..فساله:" ماذا كنت اقول؟؟."ارتبك وتلعثم ونظر الى رفيقه مستنجدا بكلمة او اشارة تساعده على الرد او على اي شيء ينقذه من غضب المعلم وحاول زميله مساعدته بان همس بكلمة "المدرسة"ولكنه لم يفهم عليه ان موضوع الدرس الذي سال عنه المعلم هو "المدرسة".
كان يطيل النظر الى شنط زملائه في الفصل وتنتقل نظراته من شنطة الى اخرى يميز بينها :"هذه اجمل".."لابل تلك اكثر جمالا" و"لكن شنطة ذاك تلمع اكثر لانها من الجلد الاصلي "..ثم ينظر الى شنطته البائسة القديمة التي يحملها منذ العام الماضي ويحافظ عليها كما علمه والده ان يحافظ على كل اغراضه التي يشتريها كما يحافظ على ثيابه لتبقى جديدة , ولكن هذه المحافظة ادت الى حرمانه من شنطة جديدة مثل شقيقه فماذا يفعل؟؟
مد يده ولمس شنطة زميله الذي بجانبه دون ان يشعره بذلك ..ولمست اصابعه جلد شنطة زميله وهمس في نفسه :"انها من الجلد ايضا وجديدة ورائحتها لاتزال بها " رائحةالجلد المميزة التي يميزها من بعيد ..وفجأة لاحظ زميله ذلك وضبط بنظراته اصابع يده وهي تمتد الى حقيبته .. وابتسم .. وسحب الشنطة اكثر فاكثر الى جانبه وكأنه يقول له :"اياك ان تعبث بها انها جديدة وليست مثل شنطتك القديمة التي كانت معك العام الماضي وماتزال تحافظ عليها "..وابتسم زميله بشكل ظاهر جيدا ابتسامة سخرية وكبرياء وكانه يقول له :"انني تخلصت من شنطة العام الماضي بطرقتي الخاصة التي استعملها كل عام لاحصل على شنطة جديدة؟؟".
مرة ثانية انتبه المعلم لاحمد وناداه باسمه ثانية وساله :"ماذا بك يا احمد وبماذا تفكر ؟".فلم يرد على المعلم ولكنه حاول ان يكون منتبها اليه..فهم المعلم قصة شنطة احمد وتأثر كثيرا له وتعمد ان يستدعي والده الى المدرسة ويطلب منه ان يشتري لابنه شنطة جديدة مثل زملائه فهو يستحق شنطة جديدة لانه يعرف كيف يحافظ عليها؟؟
فوجئ احمد في اليوم التالي بوالده يصطحبه معه الى سوق "الخجا" وطلب منه ان يختار شنطة جديدة مكافاة له لانه عرف كيف يحافظ على شنطة العام الماضي فاستحق شنطة جديدة واطال احمد النظر الى جميع الشنط المعروضة وغير المعروضة التي بدأ البائع يخرجها من من اماكن بعيدة عن النظر واستغرق اكثر من ساعة كاملة في عملية الاختيار الى ان قرر اختيار احدى الشنط التي كانت سوداء لامعة ولها قفلان ويد وحزام لحملها على الظهر ومن الداخل كان لها عدة جيوب وفتحات ومخابئ مع هدية قلم ومسطرة وبطاقة لكتابة الاسم عليها وكانت هذه الاخيرة اهم ما في الشنطة من ميزات بنظره واشتراها والده وحملها وكأنه يمتلك الدنيا وما فيها وكان يستعجل قدوم الغد ليذهب الى المدرسة وهي بيده متفاخرا بها امام رفاقه وخصوصا امام رفيقه بسام الذي يجاوره .
تلك الليلة لم ينم وهو يتحدث الى شقيقه عما سيكون عليه الموقف في الغد وكيف سيغار زملاؤه الى ان نام شقيقه وبقي سهرانا يكلم نفسه ويحلم بنفسه وهو يحمل الشنطة الجديدة الى المدرسة ويقول في نفسه :"ستكون شنطتي "اجدد"شنطة في الصف كله ولن انظر الى شنطة احد بل هم الذين سينظرون الى شنطتي ولن اغفل عن الدرس والمعلم بل الذين سيغفلون عنه وسيناديهم ويسألهم ولا يعرفون الاجابة ولكنني ساحاول ان اساعد بسام عندما يساله ولا يعرف الاجابة وسارفع صوتي ليسمع ولن اكون مثله .. امضى معظم ساعات الليل وهو يحلم بنفسه يدخل الى المدرسة حاملا الشنطة .. الى ان جاء الصباح ولم يستطع ان ينهض من الفراش بسبب قلة النوم وبقي في فراشه نائما متثاقلا الا ان شقيقه عرف كيف يجعله ينهض باسرع من البرق _كما يقال_فقط عندما ذكره بان لديه شنطة جديدة سيحمل بها كتبه الى المدرسة؟؟..
لم ينتبه له احد من زملائه رغم انه تعمد ان يلوح بشنطته الى الامام والوراء ويمينا ويسارا في المدرسة الى ان ساله المعلم عنها وبارك له بها ..فانتبه الجميع لشنطته الجديدة التي وضعها على المقعد من الاعلى ليروها جميعا وخوفا عليها من ان تتوسخ اذا وضعها على الارض ..الى ان طلب منه المعلم ان يضعها داخل درج المقعد ..ففعل..وبدأ ينتبه الى الدرس ويتابع المعلم تاركا الاخرين هذه المرة يتلهون عن الدرس منشغلين بشنطته وهو لايبالي من شدة السعادة والفرح والسرور .. واجاب على جميع اسئلة المعلم وحاول ان يساعد بسام في الرد على سؤال لم يعرف اجابته حيث كان مشغولا عن الدرس .. ولكن ليس بالنظر الى الشنطة وجمالها وبريقها بل كان مشغولا بشيء اخر كما كانت ملامح وجهه وارتباكه يقولان للمعلم, فقد ارتبك جدا عندما ساله ..وسقط من يده مقص انتبه لصوت سقوطه الجميع ونظروا اليه ..كان يعبث به واثار انتباه واستغراب الجميع بمن فيهم احمد ..وعندما انتهى الدرس ..وقرع الجرس..وهم احمد باعادة دفتره وادواته الى شنطته الجديدة وجدها نصفين كل نصف في مكان بعيد عن الاخر؟؟!!..
نشرت في الشرق بتاريخ 4-9-2002 العدد5193
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق