السقوط في بئر العمارة
***
كان يتمدد بعد وجبة غداء دسمة أعدتها -كعادتها- زوجته التي لها كما يقولون /نفسا طيبا /على الطعام . وأخذت تحدثه أن الأولاد انتهوا من الدراسة منذ يومين. واحضروا النتائج الممتازة . وحمدت الله. ثم قالت له: اليوم عطلتك وكلهم يتوقعون أن تأخذهم سيرانا أو جولة في السيارة ؛ إلى بلودان أو المصايف. فهم متضايقون ويلحون علي أن اطلب منك ذلك . ولما أحست منه عدم الرغبة في الخروج من البيت . قامت واعدت له /أر كيلة / و أحضرت الفواكه والموالح والشاي .واعدت له جلسة مريحة. فاليوم عطلة ولا يريد الخروج . فلتجعل منها راحة ممتعة . في هذا اليوم الحار. وليمضوه في البيت . وعند المساء هم على موعد مع اخوته في السهرة الأسبوعية التي تتم بالتناوب . والليلة الدور عليه وهي قد حضرت نفسها لهذه السهرة . ولم يبق عليها أي عمل . هكذا فكرت . وهو ما أن امسك خرطوم /بربيش //الاركيلة /؛ ولا حظ الأولاد ينظرون إليه كل من زاويته التي يقف عندها . وفي أعينهم رغبة بالخروج ولكنهم يخجلون من طلب ذلك منه فأشفق عليهم ..حتى ترك خرطوم الاركيلة وقال لهم البسوا وسنخرج هيا ..هيا أسرعوا ونهض بدوره إلى ثيابه ليرتديها وسط اعتراض زوجته التي خططت خططا أخرى فقد قلب لها كل شيء رأسا على عقب . واضطرت للرضوخ والتوجه للبس ملابس الخروج..نزولا عند رغبة الأولاد الذين رأت فرحتهم ووجوههم وقد تغيرت ..
كان الوقت بين العصر والمغرب والشمس تودع المدينة ..ومن الجميل جدا أن يسرعوا إلى الجبل في/ بقين / - قال في نفسه- ليشاهدوا الغروب الجميل الرائع في افقه البديع عند جبال لبنان من جهة سهول الزبداني والتي اعتاد منذ صغره على أن يراقب مثل هذا المنظر الذي لم يتغير منذ أن كان طفلا يذهب مع عائلته للتصييف في بقين وكانوا يتعمدون الخروج مع المغيب لمراقبة الغروب على الجبال المحاذية للأفق التي تفصل بين سورية ولبنان . كما كان والده قد اخبره ..
تعمد الا يقف كثيرا على الطريق ليدرك الغروب رغم أن الأولاد وزوجته طلبوا منه التوقف عدة مرات على الطريق الذي يعبر بعد الربوة دمر والهامه ثم يتجه إلي الوادي من جديدة الوادي إلى بسيمة فعين الخضراء فالفيجة وكم كانت رغبة الجميع بالتوقف ولكنه كان يرفض الوقوف وكأنه على موعد مع القدر حيث كان يشعر بدافع قوي يدفعة لمواصلة المسير دون توقف وهو يقول سنقف في بقين ..سنقف في بقين ويدوس على البنزين اكثر فاكثر كلما طلب منه احد إن يتوقف واستقبلته قرى الوادي من بلدة إلى أخرى وهو يترنم بأغنية ((يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك ))..كما انه لم يلتفت لطلبات زوجته بشراء سلة من التين البعل الذي يبيعه الأطفال على الطريق أو سلة تفاح أو توت شامي . وفي كل مرة يقول لها : بطريق العودة سنشتري اريد أن اصل إلى بقين فعندي موعد. واستغربت زوجته وقالت : تقول لديك موعد ؟. مع من موعدك ؟. فقال عندي موعد مهم جدا ..واراد أن يمزح معها ويثير فيها الغيرة بعد أن لفتت انتباهه إلى أن هذا الموضوع يمكن أن يكون موضوع إثارة وغيرة إذا احكم كلامه وضبط نفسه فبإمكانه أن يثير غيرتها على لا شيء ثم تكتشف إنها كانت عصبية ومهتاجة على لا شيء. أعجبته الفكرة فردد : موعد هام جدا جدا ..وبالفعل اغتاظت منه وقطبت وطلبت منه التوقف فورا ثم فكرت للحظة لماذا الغيظ ؟. وقالت في نفسها لأتركه حتى لا يرتكب حادث وهو يقود السيارة ؛ ولنرى ..إنها فرصة لأتعرف على ((مع من يذهب ويخرج )) ومن اجل من ترك الاركيلة وترك الجلسة التي يحبها وهب مسرعا يريد الخروج ..يبدو انه كان موعدا ونسيه ثم تذكره مع الاركيلة . إذن هي فرصة لأعرف ..ثم هو على موعد مع اخوته الذين سيأتون للسهرة عندنا وهو عادة يحترم هذا الموعد كثيرا ومهما كان مشغولا يؤجل كل شيء من أجلهم ..ترى من هي التي أصبحت أهم حتى من اخوته.. ؟.وقررت أن تسايره لتتعرف عليها. أما الأولاد فقد التزموا الصمت والمراقبة متأكدين من انهم مقبلون على فيلم جديد أبطاله أبوهم وامهم ..
وصلوا إلى منطقة/ نبع بردى/ وطلب أحدهم منه أن يتوقف و..ولكنه قال فورا سنتوقف في /بقين /لم يبق الا القليل ..ثم استلم طلوع مضايا وما هي الا دقائق حتى صار فوق في البلدة /مضايا / ولم يتوقف ليشرب من ماء عين /امين / التي لا يمكن عادة الا أن يقف ليشرب منها . فازدادت شكوكها بل يقينها بأنه على موعد . وتحملت وقالت : ما هي الا دقائق ونصل وينكشف كل شيء ..واخيرا .. هاهي بقين ترحب بكم ..قرأت لوحة بذلك .. وشعرت وكأنها تركب طائرة . وتنظر تحتها لترى جنة الله في أرضه إنها سهول الزبداني. وبسرعة يتوقف . ويأمر الأولاد بالنزول . ويقفل السيارة. ويتوجه إلى المكان الذي كان يقف فيه في صغره ليودع الشمس إلى بيت مغيبها . وهي تترك ظلالا من العتمة هنا وهناك ويقع من الضوء الأحمر هنا وهناك . لم ير في أي مكان اجمل من لحظات الغروب في بقين . وكانت زوجته تراقب كل شيء بحثا عنها ؟؟. إنها تلك ؟..لا انه لا ينظر إليها ؟.. إذن إنها هناك ..!..لا بل ..اين هي..؟. وتواصل المراقبة. ويقول لابنائه الثلاثة بنتان وصبي : انظروا إلى هذا الجمال عند الغروب . هنا الموعد يجب على المرء الا يخطئه ..وسمعت ما قاله ؛ وقالت انه يريدني أن انسى انه على موعد معها؟. ويريدني أن انشغل عندما يراها !؟.وصممت الا تتركه . ثم قالت : لا ؛ إذا لازمته فلن يذهب إليها . ولن اكتشفها إذن علي أن اتركه وابتعد عنه. و أتجاهله . ليشعر بالأمن و الأمان ليقترب منها ويكلمها واراها تكلمه ..
وبالفعل أخذت تتجنب الاقتراب منه وفورا وبدون إنذار شعر بحاجة ملحة إلى
( التبول ) حيث يعاني من بداية سكر أو مرض كلوي لذلك لم يتمالك نفسه واخذ يبحث عن مكان. وفرح لان الوقت يدخل في الليل والعتمة . وبإمكانه أن يبول في اقرب مكان. فلا احد يراه حيث من غير الممكن أن يلحق ويصل إلى اقرب حمام الا ويكون قد فعلها على نفسه. واختلى بنفسه يريد الابتعاد عن أولاده وزوجته إلى ذاك المكان في تلك العمار التي ترتفع في سفح الجبل ويطهر قربه ظهر الطابق الرابع منها. والذي لم يكتمل بناؤه . وهو يعتبر مكانا مثاليا للتبول .. لاحظت زوجته محاولته الابتعاد عنها وعن الأولاد . فأخذت تساعده بان تتجاهله لتريحه ويطمئن إلى انه لا احد يراه فيلتقي بها ولكنها تساءلت : أين سيلتقي بها ؟...لا احد هنا ثم فكرت إنها ربما تكون في تلك العمارة الجديدة التي -قيد البناء - فابتعدت لتراقب دون إن تزعجه أو تشعره أنها تراقبه .بل و أشارت إلى الأولاد أن يقتربوا منها . وانسل هو إلى مكان عتم يبدو كظل لحائط من سطح العمارة التي لم تكتمل . واقترب من مربع مظلم على الأرض ليختفي فيه عن الأنظار ويبول . ووطئت قدماه مربع العتمة الذي لم يكن مربع عتمة . بل كان مربع /بئر السلم/ أو ما يسمى بئر /المنور / وما أن وطئت قدمه الأولى في الفراغ حتى طلبت قدمه الثانية لتتبعها ولينزلق خلال لمحة بصر في بئر المنور ودون أن يراه احد حيث كانت زوجته تبتعد تريد إفساح المجال له ليلتقي بالتي هو على موعد معها ولتراها وتكتشف سره . والأولاد معها الا ان الأصغر منهم قال لامه: إنني سمعت صوت صراخ قوي يشبه صراخ أبى . وسألها : أين هو أبي ؟. وأخذ الجميع يبحثون عنه دون فائدة . إن أخر لحظة شاهدناه بها كانت هنا. . قال الصغير : إنني اسمع صوت صراخ من هناك . واكتشفت زوجته أن هناك درج للعمارة . اختفى عنده . وفهمت أنها تلك التي هو على موعد معها تقيم في هذه العمارة . وقد دخل إلى بيتها . ولا بد أن تمسكه مسك اليد .
وفجأة سمعت هي أيضا صوت أنين واستغاثة عدة مرات متتالية وصرخت انه هو انه هو أبوكم يصرخ ابحثوا عنه إن الصوت قادم من بئر المنور ولكن الوقت اصبح ظلاما وعتمة وسمع البعض صوتها فاقتربوا وسمعوا صوت الاستغاثة وهبطوا إلي اسفل بئر المنور من الطابق الرابع إلى الطابق الأرضي ليجدوه وقد سقط على الأرض فوق قدميه.. "الله سترها معه فلم يمت ". قالت إحداهن فتساءلت زوجته : من هذه أهي هي التي .؟.وتابعت تلك : إنني شاهدته وأنا جالسة هناك فوق تلك الرابية المقابلة.. كنت أراقب شخصا يمشي ثم اختفى . فلفت نظري وقلت لأختي ذلك . ونزلنا نبحث عنه لقد سقط في البئر ولولا لطف الله .! ..لقد تأكدت أنها هي وإلا ماذا أتى بها بهذه السرعة إلى مكان الحادث ؟؟ .
في المستشفى التي بقي فيها ثلاثة اشهر قال له الطبيب بإمكانك الخروج إلى بيتك لا حاجة لبقائك عندنا ولكنك تحتاج إلى عدة اشهر لتتحسن وهمس في أذن شقيقه -فيما بعد - قائلا : انه لن يعود كما كان لقد كسرت قدماه اكثر من عشرين كسرا مضاعفا ولا يمكننا أن نفعل اكثر مما فعلنا ولكن قدرة الله يمكن أن تجعله يمشي ولكن بعد عدة اشهر سنزرع له أسياخا في رجليه بعد أن تتماسك العظام ويكسوها اللحم . فصبرا ..وتعودوا ..وعودوه على الصبر.. فهو سيبقى في البيت ربما لعدة سنوات ..
... وإنشاء الله يمكن أن يمشي شيئا فشيئا بعدها - قالت تلك المرأة الغريبة التي حضرت فجأة إلى المستشفى لزيارته - اشكري الله واحمديه فلو رأيت ما رأيت أنا من فوق الرابية لقلت انه لن يعيش لو سقط مثلا احد أسياخ الحديد ودخل به أو سقط على رأسه أو دخلت قطعة بلوك في بطنه. ولكنه -والحمد لله -كان يصر خ ويئن. فاشكري الله وسيخرجونه سليما إنشاء الله .. قالت زوجته في نفسها :كيف تجرؤ على ملاحقته حتى هنا ؟
*** نشرت بتاريخ 29-11-2200 بالشرق
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق