فرحة العيد
***
طال انتظار الأطفال ليوم العيد الذي يعقب انتهاء شهر رمضان . اذكر جيدا أول أيام ذاك العيد حيث رافقت والدي إلى المسجد الأموي لنصلي صلاة العيد ونرى رئيس الجمهورية الذي سيصلي صلاة العيد في المسجد الأموي أيضا.. وهو المسجد القريب إلى بيتنا في حي القيمرية في مدينة دمشق ومن اجل أن نرى الرئيس لا بد لنا من الذهاب باكرا إلى المسكية (بداية سوق الحميدية ) من الطرف المجاور للمسجد حيث ينزل الرئيس من سيارته ويمشي باتجاه المسجد مسافة قصيرة تتيح لنا وللمواطنين رؤية رئيسهم. وكنت فرحا لأنني سأرى الرئيس بشخصه يمر من جانبي وكان والدي يحرص على أن يراه من اقرب مسافة ممكنة فاختار لنا زاوية تقع "المسكية"عند التقاطع بين بداية سوق الحميدية وباب البريد حيث ترتفع مجموعة من الأعمدة الرومانية المعمرة . وكان اختيار والدي في مكان ملاصق لأحد هذه الأعمدة لنحتمي به من الزحام المتوقع فالشعب كله سيأتي ليرى الرئيس الجديد القديم للبلاد كان ارتفاع جوانبه عن مستوى الطريق يتيح لي أنا بشكل خاص أن أرى الرئيس .اذا وقفت على هذه الجوانب والحواف .كنت أفكر أن الرئيس يحبنا جميعا مثل والدي !.بل هو يرعى والدي أيضا.كما يرعى الجميع فهو الرئيس ومهمته حماية الجميع ورعايتهم . فهو سيكون متميزا بمواصفاته وقريبا من القلب. وأنا متأكد من أنني ساحبه مجرد ان أراه .رغم أنني احبه قبل أن أراه. ثم انه -كما سمعت - ولد ونشأ في نفس الحي الذي ولدت أنا ونشأت فيه أو قريب منه . وبذلك فانه سيكون مثلنا ولن يسمح أو يقبل بإيذائنا أو إلحاق الضرر بنا - كما كنت اسمع عن رؤساء قبله - إذا حصل الزحام الذي حذرني والدي من حدوثه ونبهني إذا حدث أن أتمسك به جيدا وألا ابتعد عنه إطلاقا وإلا فأنني سأضيع وسط الزحام وربما يهرسني الناس بأقدامهم إذا حصل التراكض ..وقبلت بشروطه حتى تمكنت من أن أرافقه لمشاهدة الرئيس .لذلك كله كنت متشوقا للذهاب والتطلع إليه من اقرب مسافة منه يمكنني الوصول إليها لذا فقد اختار والدي الذي ربما كان يفكر مثل ما كنت أفكر بالوقوف ملتصقا بالعامود الروماني الذي لا بد سيمر موكب الرئيس منه وسيترجل من سيارته هنا ك فيمكننا أن نراه عن قرب وقد أتحدث إليه واسلم عليه .
وعندما وصلنا إلي المكان المقصود وجدنا جنودا من الجيش ابتسموا لنا أنا وأبى.. ففرحت اكثر فاكثر ..وما هي الا لحظات حتى اشتغل الركض ..كما يقولون.. فقد وصلت دبابة أو اكثر وهذا آخر شيء اذكره ..ولم اعد أرى أي شيء بعدها سوى العتمة والثياب ورؤوس هي السماء التي تعلوني ويضيق نفسي وأنادي على والدي الذي امسك بي بقوة وهو ثابت في مكانه وأنا لا أقوى على التنفس غارق في بحر من الأقدام الطويلة والروائح.. فمعظم الناس قد فعلوها وهم يهرعون.. ويمرون من جانبي ويدوس بعضهم على قدمي وأنا مسمر إلى العامود ممسك بيد والدي رغم أنني غير متأكد من أنها يده أو يد أي شخص آخر لأنني لا أرى أحدا سوى العتمة تارة والضوء تارة أخرى وأقدام تتحرك وتتلاطم قربي وايدي تلوح وتدفع الأجسام أمامها ولم يكن هناك أي سماء الا الرؤوس التي تعلوني وأنا أحاول التطاول على رؤوس أصابع قدمي لالتقط نفسا قبل أن اختنق في الأسفل ..ووجدت نفسي خلال لحظات ملاصقا لدبابة ..؟.كم كانت ضخمة ومدفعها طويل يتحرك من اتجاه إلى آخر وكأنه يبحث عن هدف ما وتلك الجنازير التي تسحبها وتجرها كم كانت ضخمة لا يقف أمامها أي شيء لدرجة أنها كادت تدوس المنتظرين للفرجة على الرئيس ثم ثبتت في مكان قرب العامود الروماني الذي كنا قد اخترناه للوقوف بجواره ولم اكن خائفا منها لأنني احتمي بالرئيس الذي يحبنا جميعا . كنت بين الأقدام الطويلة أحاول أن أرى النور واستنشق الهواء ولكن ..اسأل نفسي كيف صار حال حذائي الجديد الذي ارتديه للمرة الأولى ليراه الرئيس ؟ .وكيف صار شكل طقمي الجديد أيضا والذي كنت احرص على أن أبدو مرتبا جميلا أنيقا أمام الرئيس عندما يصافحني فكيف سأبدو الآن ؟ وتمنيت الا يأتي الرئيس الآن لئلا يراني هكذا ..لقد خرج قميصي من داخل البنطلون وربما تمزق كما أن الجاكيت الجديد اصبح مثل العلكة بعد أن علكت لساعات فلا تعرف لها شكلا ووجهي لا بد انه اصبح احمرا وشعري لم يعد كما صففته في البيت أمام المرآة إن مظهري يرثى له ولا اريد أن أقابل الرئيس وأنا على هذه الحال وإلا فانه سيزعل مني وقد يؤنبني لأنني لم اعتن بمظهري وأنا اعرف أنني سأقابله و أقول له أنني احبه ؟..حاولت إصلاح ما أمكنني إصلاحه من شكلي وثيابي ..الصياح والصراخ والهيجان هدأ قليلا وقيل انه سيصل خلال دقائق ..ولكن الدبابة أصبحت بجوارنا وتكاد تدهسنا ولا تمكنني من مشاهدة الرئيس والتقدم إليه لمصافحته فماذا افعل ؟. وكيف سأقول لأخي الذي فضل أن يبقى في البيت نائما؛ أنني قابلت الرئيس وشاهدته وصافحته مع والدي وتكلمت إليه ليشعر بالغيرة والندم لانه لم يأت معنا ؟.وكيف سأروي لرفاق الحارة أنني تمكنت من رؤية الرئيس ؟. وكذلك لجدتي و أمي وعماتي وخالاتي وجميع أقاربي عندما سنزورهم في العيد ؟.هاهو الجندي يطل برأسه من فوهة الدبابة وينظر يمنة ويسرة ..هاهو يراني ..وانا اصلح من هندامي وشكلي ..انه يبتسم لي لعلني ذكرته بأحد أو أنني أشبه ابنه أو أخاه ..انه يلوح لي ..لابد أنني شخص مهم ويجب أن أكون كذلك لأنني سأقابل الرئيس ..إن مقابلتي للرئيس أصبحت مضمونة الان فالجندي ابتسم لي وعرفني ولا بد انه يعرف والدي لذلك فانه لن يعيق رؤيتنا للرئيس ..انه تحول بنظراته عنا إلى غيرنا لابد انه يعرف الجميع هنا وإلا فكيف يقود دبابة وكيف يقودها لوحده وهي بهذه الضخامة ؟.أليست هذه الدبابة من اجل حمايتنا إذن هو هنا ليحمينا ؟!..ولكن هاهو احد الصبية الكبار يحاول التحدث معه انه يقترب اكثر فاكثر من الدبابة انه بالتأكيد صديق قائد الدبابة ..انه يحاول التسلق عليها ..اه كم أتمنى أن أكون بطوله وعمره لاتسلق مثله على الدبابة ..واروي لأخي ذلك ولا شك انه سيجن من الغيظ والغيرة والندم ولكنني صغير جدا على القيام بهذا التسلق حيث تبدو الدبابة كالجبل العالي أمامي .. الحمد لله انه يمنعه من التسلق ولن يفعل ما لا أستطيع فعله ..انه يصرخ عليه وربما سيضربه من شدة الغيظ الذي بدا عليه مما جعل الصبي يهرب ويختفي بين الأجسام المتراصة ..ولكن لماذا هذه الدبابة هنا ؟.وكيف لها أن تحمينا ؟. وممن ستحمينا هنا ؟. سألت نفسي حائرا في الإجابة؛ لماذا جاءت الدبابة إلى هنا بدلا من الرئيس الذي كنا نتوقع وصوله ..ولكنه لم يصل ..وربما لن يصل.. والوقت يمر ببطء شديد ..ولاول مرة يحدثني والدي قائلا : جهز نفسك ..طول حالك هاهو الرئيس قادم من بعيد يشق طريقه وسط الناس المحتشدة ..ثم قال لي : عندما سيصل إلى هنا سأحملك وسأرفعك لتراه وبالكاد سمعت صوته وسط الضجيج الذي اخذ يخبو شيئا فشيئا ولعله يحدث ذلك مع اقتراب موكب الرئيس . وفجأة جاءت أمواج من البشر تتدافع يمنة ويسرة وسقط على الأرض كثير من الناس والأطفال ولولا الدبابة القريبة لكنت بين أقدام الناس مهروسا بأحذيتهم ولكن والدي سحبني في اللحظة الأخيرة إلى الأعلى ووضعني على كتفيه وتشبث بالعامود لا يبتعد عنه وامسك بي وقال : هل تراه ؟. هل وصل ؟. وأنا لا أرى سوى رؤوسا تتحرك يمنة ..ويسرة ..ترتفع ..وتنخفض ..تروح ..وتغدو ..وهاهو صوت صفارة ربما سيارة الرئيس تقترب منا ولعله اصبح قريبا فقلت لوالدي : انه هو أنها سيارته ولكن هناك اكثر من سيارة فأيهم هي ؟. وأنا في الأعلى أرى ما لا يراه والدي فهاهو الجندي على فوهة الدبابة يخرج رأسه منها ويراقب ويحرك مدفعها يمنة ويسرة وأنا أطول منه و أعلى وبإمكاني أن أرى اكثر مما يراه هو أنني فرح جدا وكم سيغار أخي عندما أقول له أن والدي حملني على كتفيه ووقفت وشاهدت كل شيء ..واصبحت أطول من الجميع ..هاهو.. هاهو ..قلت لوالدي انه يقترب هاهي السيارة أصبحت قريبة والناس يتدافعون إليها وفجأة تحركت الدبابة من مكانها وهي تدوس اكثر من شخصين أو ثلاثة إنها تحاول المتابعة وسط الصراخ والناس يتدافعون عليها ليوقفوها وينبهون قائدها واخرون يسحبون رجلا تحت جنازيرها .. انه مجنون ..انه مجنون ..هذا الجندي.. سمعتهم يقولون ..ووالدي ترك مكانه لاول مرة وحاول أن يشق طريقا له وسط الزحام والموت الذي سحب اثنان. وانسحب والدي وأنا على كتفيه إلى مكان ابعد وابعد وقد تلقى عشرات اللكمات حتى وصل بي إلى مكان ابعد واكثر أمنا وتابع هو وعشرات غيره ممن يهربون بأبنائهم وبأنفسهم بعيدا والدبابة لا تزال تفسح لنفسها طريقا فوق أجساد المتفرجين لتقترب اكثر فاكثر وتمنع أحدا من الاقتراب من موكب الرئيس المقترب شيئا فشيئا ومع اقترابه قد يموت أو يهرس شخص ما تحت جنازير الدبابة ..
اختار والدي دروبا فرعية أدت إلى الجامع الأموي لعلنا ندخل من باب آخر للأموي ولكن ما أن وصلنا إلى باب القباقبية حتى وجدنا عنده مجموعة من رجال الشرطة تمنع الدخول إلي الجامع وأسرع والدي بالتوجه إلى باب النوفرة والقيمرية بعد أن أنزلني إلى الأرض وامسك بيدي وجرني على حسب خطواته فكنت لا أستطيع أن أدوس على الأرض بل معظم الوقت كانت قدماي في الهواء أو مرفوعة وكأنه يحملني ولكنه لا يحملني إلى أن وصلنا لنجده أيضا مغلقا وممنوع الدخول منه بحجة أن الرئيس قد وصل وممنوع الدخول إلى المسجد بعد دخول الرئيس ورغم محاولات والدي وشرحه لما حصل معنا ورغم انه قال للشرطي انه وعدني بان يريني الرئيس ولا يريد أن يبدو أمامي غير قادر الا أن الشرطي تمسك بموقفه وبالتعليمات وعدنا إلى البيت وفي طريق العودة عرجنا على اكثر من مسجد وكانت جميعها قد انتهت من أداء صلاة العيد وكان أخي لا يزال نائما يشخر وأنا أراقبه أقول في نفسي: هنيئا له نياله فضل النوم على التعب بلا فائدة وصحيح أن من يخفف رأسه بتتعب رجليه وتساءلت ماذا على أن أقول لأخي عندما ينهض من النوم ؟. ..فلم أجد سوى أن أنام بجواره حتى يجدني نائما عندما يصحو ولا يسألني عن مقابلتي للرئيس ؟؟..ونخرج بعدها ونفرح بالعيد حتى ولو لم أر الرئيس ؟؟...
*** نشرت في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ25/12/2002
***
طال انتظار الأطفال ليوم العيد الذي يعقب انتهاء شهر رمضان . اذكر جيدا أول أيام ذاك العيد حيث رافقت والدي إلى المسجد الأموي لنصلي صلاة العيد ونرى رئيس الجمهورية الذي سيصلي صلاة العيد في المسجد الأموي أيضا.. وهو المسجد القريب إلى بيتنا في حي القيمرية في مدينة دمشق ومن اجل أن نرى الرئيس لا بد لنا من الذهاب باكرا إلى المسكية (بداية سوق الحميدية ) من الطرف المجاور للمسجد حيث ينزل الرئيس من سيارته ويمشي باتجاه المسجد مسافة قصيرة تتيح لنا وللمواطنين رؤية رئيسهم. وكنت فرحا لأنني سأرى الرئيس بشخصه يمر من جانبي وكان والدي يحرص على أن يراه من اقرب مسافة ممكنة فاختار لنا زاوية تقع "المسكية"عند التقاطع بين بداية سوق الحميدية وباب البريد حيث ترتفع مجموعة من الأعمدة الرومانية المعمرة . وكان اختيار والدي في مكان ملاصق لأحد هذه الأعمدة لنحتمي به من الزحام المتوقع فالشعب كله سيأتي ليرى الرئيس الجديد القديم للبلاد كان ارتفاع جوانبه عن مستوى الطريق يتيح لي أنا بشكل خاص أن أرى الرئيس .اذا وقفت على هذه الجوانب والحواف .كنت أفكر أن الرئيس يحبنا جميعا مثل والدي !.بل هو يرعى والدي أيضا.كما يرعى الجميع فهو الرئيس ومهمته حماية الجميع ورعايتهم . فهو سيكون متميزا بمواصفاته وقريبا من القلب. وأنا متأكد من أنني ساحبه مجرد ان أراه .رغم أنني احبه قبل أن أراه. ثم انه -كما سمعت - ولد ونشأ في نفس الحي الذي ولدت أنا ونشأت فيه أو قريب منه . وبذلك فانه سيكون مثلنا ولن يسمح أو يقبل بإيذائنا أو إلحاق الضرر بنا - كما كنت اسمع عن رؤساء قبله - إذا حصل الزحام الذي حذرني والدي من حدوثه ونبهني إذا حدث أن أتمسك به جيدا وألا ابتعد عنه إطلاقا وإلا فأنني سأضيع وسط الزحام وربما يهرسني الناس بأقدامهم إذا حصل التراكض ..وقبلت بشروطه حتى تمكنت من أن أرافقه لمشاهدة الرئيس .لذلك كله كنت متشوقا للذهاب والتطلع إليه من اقرب مسافة منه يمكنني الوصول إليها لذا فقد اختار والدي الذي ربما كان يفكر مثل ما كنت أفكر بالوقوف ملتصقا بالعامود الروماني الذي لا بد سيمر موكب الرئيس منه وسيترجل من سيارته هنا ك فيمكننا أن نراه عن قرب وقد أتحدث إليه واسلم عليه .
وعندما وصلنا إلي المكان المقصود وجدنا جنودا من الجيش ابتسموا لنا أنا وأبى.. ففرحت اكثر فاكثر ..وما هي الا لحظات حتى اشتغل الركض ..كما يقولون.. فقد وصلت دبابة أو اكثر وهذا آخر شيء اذكره ..ولم اعد أرى أي شيء بعدها سوى العتمة والثياب ورؤوس هي السماء التي تعلوني ويضيق نفسي وأنادي على والدي الذي امسك بي بقوة وهو ثابت في مكانه وأنا لا أقوى على التنفس غارق في بحر من الأقدام الطويلة والروائح.. فمعظم الناس قد فعلوها وهم يهرعون.. ويمرون من جانبي ويدوس بعضهم على قدمي وأنا مسمر إلى العامود ممسك بيد والدي رغم أنني غير متأكد من أنها يده أو يد أي شخص آخر لأنني لا أرى أحدا سوى العتمة تارة والضوء تارة أخرى وأقدام تتحرك وتتلاطم قربي وايدي تلوح وتدفع الأجسام أمامها ولم يكن هناك أي سماء الا الرؤوس التي تعلوني وأنا أحاول التطاول على رؤوس أصابع قدمي لالتقط نفسا قبل أن اختنق في الأسفل ..ووجدت نفسي خلال لحظات ملاصقا لدبابة ..؟.كم كانت ضخمة ومدفعها طويل يتحرك من اتجاه إلى آخر وكأنه يبحث عن هدف ما وتلك الجنازير التي تسحبها وتجرها كم كانت ضخمة لا يقف أمامها أي شيء لدرجة أنها كادت تدوس المنتظرين للفرجة على الرئيس ثم ثبتت في مكان قرب العامود الروماني الذي كنا قد اخترناه للوقوف بجواره ولم اكن خائفا منها لأنني احتمي بالرئيس الذي يحبنا جميعا . كنت بين الأقدام الطويلة أحاول أن أرى النور واستنشق الهواء ولكن ..اسأل نفسي كيف صار حال حذائي الجديد الذي ارتديه للمرة الأولى ليراه الرئيس ؟ .وكيف صار شكل طقمي الجديد أيضا والذي كنت احرص على أن أبدو مرتبا جميلا أنيقا أمام الرئيس عندما يصافحني فكيف سأبدو الآن ؟ وتمنيت الا يأتي الرئيس الآن لئلا يراني هكذا ..لقد خرج قميصي من داخل البنطلون وربما تمزق كما أن الجاكيت الجديد اصبح مثل العلكة بعد أن علكت لساعات فلا تعرف لها شكلا ووجهي لا بد انه اصبح احمرا وشعري لم يعد كما صففته في البيت أمام المرآة إن مظهري يرثى له ولا اريد أن أقابل الرئيس وأنا على هذه الحال وإلا فانه سيزعل مني وقد يؤنبني لأنني لم اعتن بمظهري وأنا اعرف أنني سأقابله و أقول له أنني احبه ؟..حاولت إصلاح ما أمكنني إصلاحه من شكلي وثيابي ..الصياح والصراخ والهيجان هدأ قليلا وقيل انه سيصل خلال دقائق ..ولكن الدبابة أصبحت بجوارنا وتكاد تدهسنا ولا تمكنني من مشاهدة الرئيس والتقدم إليه لمصافحته فماذا افعل ؟. وكيف سأقول لأخي الذي فضل أن يبقى في البيت نائما؛ أنني قابلت الرئيس وشاهدته وصافحته مع والدي وتكلمت إليه ليشعر بالغيرة والندم لانه لم يأت معنا ؟.وكيف سأروي لرفاق الحارة أنني تمكنت من رؤية الرئيس ؟. وكذلك لجدتي و أمي وعماتي وخالاتي وجميع أقاربي عندما سنزورهم في العيد ؟.هاهو الجندي يطل برأسه من فوهة الدبابة وينظر يمنة ويسرة ..هاهو يراني ..وانا اصلح من هندامي وشكلي ..انه يبتسم لي لعلني ذكرته بأحد أو أنني أشبه ابنه أو أخاه ..انه يلوح لي ..لابد أنني شخص مهم ويجب أن أكون كذلك لأنني سأقابل الرئيس ..إن مقابلتي للرئيس أصبحت مضمونة الان فالجندي ابتسم لي وعرفني ولا بد انه يعرف والدي لذلك فانه لن يعيق رؤيتنا للرئيس ..انه تحول بنظراته عنا إلى غيرنا لابد انه يعرف الجميع هنا وإلا فكيف يقود دبابة وكيف يقودها لوحده وهي بهذه الضخامة ؟.أليست هذه الدبابة من اجل حمايتنا إذن هو هنا ليحمينا ؟!..ولكن هاهو احد الصبية الكبار يحاول التحدث معه انه يقترب اكثر فاكثر من الدبابة انه بالتأكيد صديق قائد الدبابة ..انه يحاول التسلق عليها ..اه كم أتمنى أن أكون بطوله وعمره لاتسلق مثله على الدبابة ..واروي لأخي ذلك ولا شك انه سيجن من الغيظ والغيرة والندم ولكنني صغير جدا على القيام بهذا التسلق حيث تبدو الدبابة كالجبل العالي أمامي .. الحمد لله انه يمنعه من التسلق ولن يفعل ما لا أستطيع فعله ..انه يصرخ عليه وربما سيضربه من شدة الغيظ الذي بدا عليه مما جعل الصبي يهرب ويختفي بين الأجسام المتراصة ..ولكن لماذا هذه الدبابة هنا ؟.وكيف لها أن تحمينا ؟. وممن ستحمينا هنا ؟. سألت نفسي حائرا في الإجابة؛ لماذا جاءت الدبابة إلى هنا بدلا من الرئيس الذي كنا نتوقع وصوله ..ولكنه لم يصل ..وربما لن يصل.. والوقت يمر ببطء شديد ..ولاول مرة يحدثني والدي قائلا : جهز نفسك ..طول حالك هاهو الرئيس قادم من بعيد يشق طريقه وسط الناس المحتشدة ..ثم قال لي : عندما سيصل إلى هنا سأحملك وسأرفعك لتراه وبالكاد سمعت صوته وسط الضجيج الذي اخذ يخبو شيئا فشيئا ولعله يحدث ذلك مع اقتراب موكب الرئيس . وفجأة جاءت أمواج من البشر تتدافع يمنة ويسرة وسقط على الأرض كثير من الناس والأطفال ولولا الدبابة القريبة لكنت بين أقدام الناس مهروسا بأحذيتهم ولكن والدي سحبني في اللحظة الأخيرة إلى الأعلى ووضعني على كتفيه وتشبث بالعامود لا يبتعد عنه وامسك بي وقال : هل تراه ؟. هل وصل ؟. وأنا لا أرى سوى رؤوسا تتحرك يمنة ..ويسرة ..ترتفع ..وتنخفض ..تروح ..وتغدو ..وهاهو صوت صفارة ربما سيارة الرئيس تقترب منا ولعله اصبح قريبا فقلت لوالدي : انه هو أنها سيارته ولكن هناك اكثر من سيارة فأيهم هي ؟. وأنا في الأعلى أرى ما لا يراه والدي فهاهو الجندي على فوهة الدبابة يخرج رأسه منها ويراقب ويحرك مدفعها يمنة ويسرة وأنا أطول منه و أعلى وبإمكاني أن أرى اكثر مما يراه هو أنني فرح جدا وكم سيغار أخي عندما أقول له أن والدي حملني على كتفيه ووقفت وشاهدت كل شيء ..واصبحت أطول من الجميع ..هاهو.. هاهو ..قلت لوالدي انه يقترب هاهي السيارة أصبحت قريبة والناس يتدافعون إليها وفجأة تحركت الدبابة من مكانها وهي تدوس اكثر من شخصين أو ثلاثة إنها تحاول المتابعة وسط الصراخ والناس يتدافعون عليها ليوقفوها وينبهون قائدها واخرون يسحبون رجلا تحت جنازيرها .. انه مجنون ..انه مجنون ..هذا الجندي.. سمعتهم يقولون ..ووالدي ترك مكانه لاول مرة وحاول أن يشق طريقا له وسط الزحام والموت الذي سحب اثنان. وانسحب والدي وأنا على كتفيه إلى مكان ابعد وابعد وقد تلقى عشرات اللكمات حتى وصل بي إلى مكان ابعد واكثر أمنا وتابع هو وعشرات غيره ممن يهربون بأبنائهم وبأنفسهم بعيدا والدبابة لا تزال تفسح لنفسها طريقا فوق أجساد المتفرجين لتقترب اكثر فاكثر وتمنع أحدا من الاقتراب من موكب الرئيس المقترب شيئا فشيئا ومع اقترابه قد يموت أو يهرس شخص ما تحت جنازير الدبابة ..
اختار والدي دروبا فرعية أدت إلى الجامع الأموي لعلنا ندخل من باب آخر للأموي ولكن ما أن وصلنا إلى باب القباقبية حتى وجدنا عنده مجموعة من رجال الشرطة تمنع الدخول إلي الجامع وأسرع والدي بالتوجه إلى باب النوفرة والقيمرية بعد أن أنزلني إلى الأرض وامسك بيدي وجرني على حسب خطواته فكنت لا أستطيع أن أدوس على الأرض بل معظم الوقت كانت قدماي في الهواء أو مرفوعة وكأنه يحملني ولكنه لا يحملني إلى أن وصلنا لنجده أيضا مغلقا وممنوع الدخول منه بحجة أن الرئيس قد وصل وممنوع الدخول إلى المسجد بعد دخول الرئيس ورغم محاولات والدي وشرحه لما حصل معنا ورغم انه قال للشرطي انه وعدني بان يريني الرئيس ولا يريد أن يبدو أمامي غير قادر الا أن الشرطي تمسك بموقفه وبالتعليمات وعدنا إلى البيت وفي طريق العودة عرجنا على اكثر من مسجد وكانت جميعها قد انتهت من أداء صلاة العيد وكان أخي لا يزال نائما يشخر وأنا أراقبه أقول في نفسي: هنيئا له نياله فضل النوم على التعب بلا فائدة وصحيح أن من يخفف رأسه بتتعب رجليه وتساءلت ماذا على أن أقول لأخي عندما ينهض من النوم ؟. ..فلم أجد سوى أن أنام بجواره حتى يجدني نائما عندما يصحو ولا يسألني عن مقابلتي للرئيس ؟؟..ونخرج بعدها ونفرح بالعيد حتى ولو لم أر الرئيس ؟؟...
*** نشرت في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ25/12/2002
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق