خبراء ولكن ؟
منذ أن تبلغ وبشكل مفاجئ قرار وقفه عن العمل دون إبداء الأسباب ؛ بدأت حياته تدخل عالما من المجهول !
كان لابد ان يسأل عن السبب وقيل له أن القرار كان واضحا ! منذ الآن (خلاص ) ؛ دورك انتهى !! لا تستغرب كثيرا ؟ فهو كالعادة قرار المسؤول الجديد الذي عليه ان ياتي بوجوه جديده ويبعد وجوها قديمة !!؟؟
تساءل بسخرية كغيره : "إذا منعوا المسؤول من فعل ذلك وسحبوا منه هذه الصلاحية ؛ فكيف يكون مسؤولا " ؟؟
قال : ولكن ماذ افعل وانا لازلت في أواسط عمري ولدي الكثير من الطاقات والعطاءات والخبرات التي تراكمت !! وهمس في نفسه : كيف سيفهم ذلك أولادي وزوجتي وحتى ومعارفي ؟؟ وكانه سمع هاتفا يقول : لست الأول ولن تكون الأخير عليك أن تتقبل ذلك !! ومع ذلك كانت ايامه التالية صعبة !!
يخرج من البيت كعادته كل صباح لكنها هذه المرة مختلفة فهو لا يعرف أين يذهب
أولاده ذهبوا الى مدارسهم وزوجته التي لم يخبرها بالامر ستمطره بالاسئلة اذا لم يخرج كعادته !! كذلك اذا عاد في غير موعده المعتاد!! وجد نفسه يسلك كعادته صباحا ويوما بعد اخر نفس الطريق فيصل باب الوزارة وأحيانا يتمادى ويصل الى باب مكتبه ؛ او الذي كان مكتبه ؟؟ وقبل ان يدخله يعود أدراجه ساحبا معه مشاهد سنوات مضت ترافقه أصداء أصوات زملاء ومواطنين كان يعتقد انه بذل كل ما في وسعه لتلبية احتياجاتهم فهو وبقية زملائه إنما وضعوا في مواقعهم لتقديم الخدمات للمواطنين !! وجد نفسه هذا اليوم يتمشى على الكورنيش !! فهو لا يعرفه في مثل هذا الوقت قبل اليوم! كان كثيرا ما يجلس مساء يراقب البحر مع اولاده ولكنه هذه المرة يراه مختلفا ؛حتى مياه البحر تغير لونها ؟؟
كان يلمح في كل مرة يعض الأشخاص في المكان ذاته !! يقول : ربما هم مثلي والا لماذا هم هنا والوقت للعمل ؟ وتسالءل : من يمشي على الكورنيش في مثل هذا لالوقت الصباحي الا امثالي؟؟ الصباح كان رائع الجمال حيث اختبأت الشمس خلف مجموعة من الغيوم وزرقة البحر كزرقة السماء يتخللها بياض كالغيوم ولكن تصنعه امواج متلاحقة ذكرته بايامه المتلاحقة بلا هدف ؟؟ فاجأته قشعريرة تخللت جسده وطغى عليه شعور من فقد جزءا من كيانه !!من ذاته !!
كان سعيدا برؤية شخص يعرفه قديما خصوصا بعد ان سمع منه ان مسؤولا جديدا حل في ادارته منذ عدة اشهر فادرك الحكاية وطلب منه الا يواصل سردها ؟؟ لقد وجدت انيسا !!
بقي يحوم حول سؤاله عدة اشهر دون أن يجد له جوابا فكر كثيرا وقرر أن يذهب إلى المسؤول ويسأله لماذا ؟ فلربما يجد عنده ما يهدئ من حيرته التي تجعله لا ينام رغم أن زوجته خففت عنه بعد أن اخبرها اخيرا فقالت ساخرة : طالما انك تتقاضى راتبك فلا تزعل ؟؟ وكان يرد بصوت لا يسمعه غيره : الحمد لله لو كان من حقه يقطعه لما تردد !!؟
شد همته وجهز حتى شكله وجهه ثيابه لهذا اللقاء وبعد انتظار احسه طويلا جدا قال فراش المسؤول الخصوصي : لقد خرج من الباب الثاني لمكتبه ؟؟!
لم يسمح لليأس ان يمنعه من المحاولة ثانية لتجاوز العقبات التي تحول دون الوصول اليه لشرح وجهة نظره وأعجبته فكرة لقائه على السلم التي اقترحها عليه صديق لدى خروجه من مكتبه وقبل وصوله الى سيارته ؟ أخبره الفراش الخصوصي ان المسؤول جاء اليوم متأخرا اذن ربما يخرج متأخرا وقرر ان ينتظره خصوصا وان تساؤلات ونظرات زوجته وأولاده ستطارده اذا لم يخبرهم بما قاله له المسؤول بعد ان اكد لهم انه سيقابله !! كان اللقاء مفاجئا له بحرارته واصغاء المسؤول له باهتمام
بعد انتظار طويل حيث بادره المسؤول بالسؤال عن أحواله وأخباره !! مماشجعه ليتحدث بصراحة تامة : اريد أن اعمل لا اريد ان اكون "خبيرا " فلازلت في أواسط عمري ؛ أتقاضى راتبا ولا اعمل؛ لا احد يشعر بما اعانيه نتيجة ذلك مع نفسي ومع أولادي وزوجتي ومعارفي؟؟!!
لم يتركه المسؤول يسترسل وقال له: كل ما قلته لا يرضينا وسأعمل على أن تعود إلى عملك ؛ اذهب غدا إلى فلان وأنا سأكلمه وتمنى له التوفيق وذهب كل منهما إلى شأنه
ايام توالت كان الحلم يقتل فيها كل لحظة بدءا من اليوم التالي فالشخص الذي طلب منه المسؤول أن يذهب إليه لم يكن موجودا ! انتظره ؛ وطال الانتظار و الامل يذوي وينحسر شيثا فشيئا وهو كما يزداد اصرارا على مقابلته وايجاده يزداد قناعة بوضعه الجديد واعتيادا عليه ويضمحل حماسه للعودة وللعمل ؛ أي عمل ؟؟ لمح اثناء صلاة الظهر الشخص الذي ينتظره وابتهج وبعد انقضاء الصلاة اصغى اليه باهتمام اسعده واعطاه الامل ولكن ما ان صمت حتى سمعه يقول :
على أية حال هو لم يبلغني أي شيء إمكانك أن تراجعني غدا
اليوم التالي لم يكن افضل من عشرات الايام اللاحقة امضاها يراجع وينتظر حتى تمكن منه الياس
فاقلع فالاعذار كثيرة حفظها عن ظهر قلب وتوقعها في كل مرة يذهب للمراجعة
" انه مشغول" ؛ "إانه في اجتماع "؛ "انه عند ال" ؛ "انه مسافر ويعود غدا" ؛ "ذهب إلى المطار لاستقبال ضيوف ؛ "إلى "؛ "انه " ؟؟
احد اصدقائه اشار عليه قائلا :عليك بمجلس المسؤول فهو لايرد احدا يقصده فيه ؟؟ !
قرر ألا يخرج من المجلس حتى يلقاه فهو لم يات على غير عادته فاضطر أحدهم إلى أن يحضره إلى المجلس ولأنه في مجلسه رحب به كضيف واستمع إليه وبدا مستغربا مما سمعه منه لذلك ابدى اهتماما وطلب اليه ان يواجه المستشار فسيجد عنده مأربه ؟
وتكررت الصورة السابقة وأخيرا تمكن من المستشار داخل المصعد الكهربائي وأوقف المصعد بين السماء والأرض ؛ هدد بأنه لن يحرك المصعد حتى يستمع منه إلى جواب على سؤاله وإلا فسيبقيان معا هكذا وليفعلوا ما يفعلوا "علي وعلى المستشار"
وارتعدت أوصال المستشار وقال له : "لماذا أنت مهتم هكذا ؟ ألا تستلم راتبك آخر كل شهر؟ اذهب وابحث لك عن عمل خاص بك مثلك مثل المئات طالما هم يريدون ذلك فلا تكن /ملكيا/ أكثر من /الملك/ يا أخي شغل المصعد واذهب إلى بيتك وأولادك واعتبارا من الغد خطط لعمل جديد خاص بك وينتهى الأمر "
جلس على الكورنيش يملأ ناظريه بالبحر الذي كان ثائرا هائجا ويقذف رذاذ المياه على وجهه ويستمتع بهذا الحمام الناعم وهو يفكر بكلام المستشار
ربما هو على حق فلماذا أنا كذلك ؟ ومن سيلومني على ما سافعله فليفعل أكثر مما فعلت ؟؟؟
مر الوقت سريعا وهدأت أمواج البحر وراحت نظراته تعانق الأفق البعيد مكان وزمانا وتمر الأيام !! تذكر وهو يقف أمام البحر على الكورنيش ذاك اليوم الذي جاء فيه إليه حزينا وعاد منه مفعما بالأمل وأخذ يحسب الأيام التي مرت لعلها تقارب السنة الجوال هذه المرة لا يتوقف!! تذكر الحزن الذي كان عليه عشرات الأيام وعشرات المرات حتى تعرف الى امثاله من الحبراء الذين لفظهم "المسؤول الجديد" من اعمالهم وتركهم وتذكر نصيحة المستشار له ولامثاله ؟؟
تمنى ذات مرة ان يرى مسؤوله السابق ليروي له عن تجربته التي ما كانت لتكون لولا إبعاده له عن العمل ابتسم وتابع المشي وفجاة ؛ هاهو يصادف واثناء المشي"سعادة المسؤول" مسؤوله السابق ؛ يتمشى على الكورنيش ايضا !! وتبين له ان المسؤول لم يعد مسؤولا !! أصبح منذ أيام"خبيرا" خبيرا بلا عمل أو هوخبير يبحث عن عمل حتى يلتقي "المستشار" فيقلع ؟؟!!
ويزداد عدد "الخبراء " واصبحت القائمة طويلة من الخبراء ولكن بلا عمل ؟؟!
نشرت بتاريخ 22-1-2006
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق