الأمل
كنت استمتع بعض أيام الجمع والعطلات بالجلوس شتاء على إحدى درجات الدرج الخشبي في بيتنا الذي ولدت فيه بدمشق القديمة التمس دفء حرارة الشمس . وخلال ذلك كنت أتقلب يمينا ويسارا ومن طرف إلى آخر لتلامس أشعة الشمس الدافئة اكثر ما يمكن من جسمي حيث برد الشتاء ينكسر حدة أيام شروق الشمس التي لا بد لها من المرور على الحائط المرتفع جانب الدرج الذي يوصل اسفل بيتنا بأعلاه لتغطي أشعته معظم الدرج لذلك نهرع إلى الدرج انا واخوتي نلتمس هذه الاشعة الدافئة ..
ما اجمل الجلوس على الدرج في يوم شتائي مشمس خصوصا عندما اتبادل مع أخي الأكبر بضع كلمات "عنها" بصوت منخفض .. ونسمع صوت والدنا..الذي يرانا ويراقبنا من غرفته وينادي عادة على أحدنا للذهاب إلى الفوال أبو فاروق وإحضار الفول أو المسبحة أو التسقية بالزيت وكل منا يقول للآخر اذهب أنت ليضمن وجوده في البيت "عندما تأتي" !؟ .. ويذهب أحدنا إلى الفوال وهو يحمل كأسا من زيت الزيتون يعطيه إياها مع الخبز المفتوت (المقطع )ليعد لنا التسقية بالزيت والتي يستخدم فيها زيتنا ..كما نحضر كمية اضافية من الفقسة لنضيفها إلى التسقية عندما تجف أو تخف..ويبقى الأخر صاحب الحظ في البيت "لأنها معتادة على المجيء عندنا أيام الجمع" .. والغريب اليوم لم يلح أخي على البقاء وتركني في البيت وذهب هو لإحضار التسقية وصحن المسبحة الشهير الذي يفضله والدي بالصحن الشختورة الصيني الأبيض وتضع أمي عليه السمنة البلدية والصنوبر المقلي بها وتضع على السفرة المخللات حسب الموسم إما لفت أو خيار أو باذنجان بالحشوة والبصل والخبز المشروح أو المرقد اضافة الى صحون من الزيتون والمربى والجبنة البيضاء أو الهولندية أو القشقوان وابريق الشاي .
لم أجد وقتا أو ضرورة لافكر بسبب تهاون آخي معي وذهابه طوعا بينما بقيت أواصل الجلوس في الشمس على كتف الدرج استغل الوقت بدقائقه قبل أن يؤذن لصلاة الجمعة ..الجلوس على الدرج من اجل الشمس له أصوله ومراسيمه عندي انا واخوتي حيث نشرب الشاي ونتحدث ونتذكر أشياءنا ونراقب الستيتية (الحمامة ) التي تقف على رأس عمود خشبي يرتفع على الطبلة (الحائط الحاجز بين بيتنا وبيت الجيران ) وتنغم من جوفها بأصوات تقول والدتي أنها تسبح الله لذلك لا يجوز أخافتها وهي تصدر هذه الأصوات كما نتابع القطة التي تظهر عادة كلما شعرت بوجودنا وكانها تأنس
كان والدي يجلس على سريره يرانا ويسمعنا وبقربه جهاز المذياع الذي اشتراه مع خالي وهو مذياع عظيم يمكننا مستقبلا كما سمعت من خالي أن نرى من خلاله المذيع الذي يقدم نشرة الأخبار أو المطرب الذي يغني وليس الصوت فقط بل الصوت والصورة ..مذياع يسبق عصره كما سمعت خالي يقول لوالدي عندما احضروه ورأيته لاول مرة !! .
كان والدي يفتح المذياع العجيب صباح كل يوم وكثيرا ما كنت اسمع وأنا نائم دقات ساعة /بج بن/ الشهيرة وهي تضرب.. واسمع بعدها أخبار /لندن/ هيئة الإذاعة البريطانية حيث كان والدي رغم عدم اهتمامه بالسياسة الا انه متابع جيد للأخبار وخصوصا من لندن ..يقول إنها إذاعة تذيع الأخبار التي لا تذيعها إذاعتنا ..وطبعا نسمع إذاعة دمشق وبرنامج مرحبا يا صباح ومعظمه أغاني لفيروز وبعدها الأخبار في السابعة والربع ويحلو لوالدي أيام الجمعة وهو يراقبنا أن يكون الراديو على الشام لنسمع برنامج "ما يطلبه المستمعون" إعداد وتقديم فردوس حيدر المتألقة دائما وعلى مدي عشرات السنوات .
عندما كانت السفرة توضع على الأرض كنا نستمتع بالجلوس حولها متلاصقين ونتزاحم على المكان الذي تصل إليه الشمس ..وكم سيكون طعم الطعام لذيذا ولكن ليس الآن بل عندما "ستأتي فهذا موعدها" ؟؟ وهمست بيني وبين نفسي وكأنني اصرخ عليهم : انتظروا قليلا كيف تبدؤون قبل أن "تأتي" ؟. "هل نسيتم أن موعدها كل يوم جمعة" ؟.ثم أحاول إشغالهم لدقائق عن الطعام حتى تصل فموعدها تقريبا مع بداية برنامج ما يطلبه المستمعون النستمع الى اغانيه معا وعندما يذيع اغنية لعبد الحليم حافظ نتبادل النظرات ..ويحرك أحدنا شفتيه حتى لا يلاحظ احد :يا حظي منك.. ويشير إلى الأغنية المقبلة ...وأقول لهم : افتحوا المذياع حان وقت ما يطلبه المستمعون .. ويرد علي أخي بخبث ومكر واضحين لا يخلوان من الشماتة والسخرية: ولكن اليوم ليس الجمعة ؟..اليوم الأربعاء ونحن معطلون من المدرسة بمناسبة عيد الجلاء ..!!.
نشرت بتاريخ 24-10.-2007
كنت استمتع بعض أيام الجمع والعطلات بالجلوس شتاء على إحدى درجات الدرج الخشبي في بيتنا الذي ولدت فيه بدمشق القديمة التمس دفء حرارة الشمس . وخلال ذلك كنت أتقلب يمينا ويسارا ومن طرف إلى آخر لتلامس أشعة الشمس الدافئة اكثر ما يمكن من جسمي حيث برد الشتاء ينكسر حدة أيام شروق الشمس التي لا بد لها من المرور على الحائط المرتفع جانب الدرج الذي يوصل اسفل بيتنا بأعلاه لتغطي أشعته معظم الدرج لذلك نهرع إلى الدرج انا واخوتي نلتمس هذه الاشعة الدافئة ..
ما اجمل الجلوس على الدرج في يوم شتائي مشمس خصوصا عندما اتبادل مع أخي الأكبر بضع كلمات "عنها" بصوت منخفض .. ونسمع صوت والدنا..الذي يرانا ويراقبنا من غرفته وينادي عادة على أحدنا للذهاب إلى الفوال أبو فاروق وإحضار الفول أو المسبحة أو التسقية بالزيت وكل منا يقول للآخر اذهب أنت ليضمن وجوده في البيت "عندما تأتي" !؟ .. ويذهب أحدنا إلى الفوال وهو يحمل كأسا من زيت الزيتون يعطيه إياها مع الخبز المفتوت (المقطع )ليعد لنا التسقية بالزيت والتي يستخدم فيها زيتنا ..كما نحضر كمية اضافية من الفقسة لنضيفها إلى التسقية عندما تجف أو تخف..ويبقى الأخر صاحب الحظ في البيت "لأنها معتادة على المجيء عندنا أيام الجمع" .. والغريب اليوم لم يلح أخي على البقاء وتركني في البيت وذهب هو لإحضار التسقية وصحن المسبحة الشهير الذي يفضله والدي بالصحن الشختورة الصيني الأبيض وتضع أمي عليه السمنة البلدية والصنوبر المقلي بها وتضع على السفرة المخللات حسب الموسم إما لفت أو خيار أو باذنجان بالحشوة والبصل والخبز المشروح أو المرقد اضافة الى صحون من الزيتون والمربى والجبنة البيضاء أو الهولندية أو القشقوان وابريق الشاي .
لم أجد وقتا أو ضرورة لافكر بسبب تهاون آخي معي وذهابه طوعا بينما بقيت أواصل الجلوس في الشمس على كتف الدرج استغل الوقت بدقائقه قبل أن يؤذن لصلاة الجمعة ..الجلوس على الدرج من اجل الشمس له أصوله ومراسيمه عندي انا واخوتي حيث نشرب الشاي ونتحدث ونتذكر أشياءنا ونراقب الستيتية (الحمامة ) التي تقف على رأس عمود خشبي يرتفع على الطبلة (الحائط الحاجز بين بيتنا وبيت الجيران ) وتنغم من جوفها بأصوات تقول والدتي أنها تسبح الله لذلك لا يجوز أخافتها وهي تصدر هذه الأصوات كما نتابع القطة التي تظهر عادة كلما شعرت بوجودنا وكانها تأنس
كان والدي يجلس على سريره يرانا ويسمعنا وبقربه جهاز المذياع الذي اشتراه مع خالي وهو مذياع عظيم يمكننا مستقبلا كما سمعت من خالي أن نرى من خلاله المذيع الذي يقدم نشرة الأخبار أو المطرب الذي يغني وليس الصوت فقط بل الصوت والصورة ..مذياع يسبق عصره كما سمعت خالي يقول لوالدي عندما احضروه ورأيته لاول مرة !! .
كان والدي يفتح المذياع العجيب صباح كل يوم وكثيرا ما كنت اسمع وأنا نائم دقات ساعة /بج بن/ الشهيرة وهي تضرب.. واسمع بعدها أخبار /لندن/ هيئة الإذاعة البريطانية حيث كان والدي رغم عدم اهتمامه بالسياسة الا انه متابع جيد للأخبار وخصوصا من لندن ..يقول إنها إذاعة تذيع الأخبار التي لا تذيعها إذاعتنا ..وطبعا نسمع إذاعة دمشق وبرنامج مرحبا يا صباح ومعظمه أغاني لفيروز وبعدها الأخبار في السابعة والربع ويحلو لوالدي أيام الجمعة وهو يراقبنا أن يكون الراديو على الشام لنسمع برنامج "ما يطلبه المستمعون" إعداد وتقديم فردوس حيدر المتألقة دائما وعلى مدي عشرات السنوات .
عندما كانت السفرة توضع على الأرض كنا نستمتع بالجلوس حولها متلاصقين ونتزاحم على المكان الذي تصل إليه الشمس ..وكم سيكون طعم الطعام لذيذا ولكن ليس الآن بل عندما "ستأتي فهذا موعدها" ؟؟ وهمست بيني وبين نفسي وكأنني اصرخ عليهم : انتظروا قليلا كيف تبدؤون قبل أن "تأتي" ؟. "هل نسيتم أن موعدها كل يوم جمعة" ؟.ثم أحاول إشغالهم لدقائق عن الطعام حتى تصل فموعدها تقريبا مع بداية برنامج ما يطلبه المستمعون النستمع الى اغانيه معا وعندما يذيع اغنية لعبد الحليم حافظ نتبادل النظرات ..ويحرك أحدنا شفتيه حتى لا يلاحظ احد :يا حظي منك.. ويشير إلى الأغنية المقبلة ...وأقول لهم : افتحوا المذياع حان وقت ما يطلبه المستمعون .. ويرد علي أخي بخبث ومكر واضحين لا يخلوان من الشماتة والسخرية: ولكن اليوم ليس الجمعة ؟..اليوم الأربعاء ونحن معطلون من المدرسة بمناسبة عيد الجلاء ..!!.
نشرت بتاريخ 24-10.-2007
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق