فيجة الكبس !!
كان الحر شديدا ذاك اليوم الصيفي من أيام حارتنا القديمة بمدينة دمشق والمسماة/ القيمرية/ أو ( الهند الصغيرة ) . رغم ما يعرف عنها من أنها منطقة باردة في المدينة . وهي حارة شعبية قديمة قريبة من المسجد الأموي الكبير الذي يتوسط مدينة دمشق القديمة عاصمة الدولة الأموية الذي حمل اسمه من اسمها ..والتي امتدت من( الهند الصغيرة ) إلى (الهند الكبيرة). فلهذا الاسم المختار لحارتنا معنى واسعا وهاما يذكر أهلها دائما بأمجاد التاريخ العريق الذي عاشته الحارة خصوصا عندما تسير في طرقاتها المتقاربة المرصوفة بالأحجار المربعة السوداء وبين بيوتها التي تتعانق مع بعضها وتتقارب من الأعلى وكأنها تتبادل القبلات .تحسب نفسك تعيش بجوار مركز الحكم الأموي الذي كان على بعد خطوات من بيتنا في الحارة والذي تحول إلى سوق للذهب ثم أحيط بسياج وترك على حاله اثر الحريق المفتعل الذي شهده سوق الذهب القديم في الستينات من القرن الماضي.
وضع في عدد من تقاطعات الطرق في الحي " سبيل" للماء يسمى/ الفيجة / وبإمكان المرء أن يشرب منه ماء باردا في أي وقت يشعر فيه بالعطش . ويتساءلون في كل مرة بعد ارتوائهم عن سبب برودته الطبيعية والمحيرة حقا .. ففي أي وقت تأخذ منه الماء حتى في أحر أيام الصيف تجده باردا كالثلج . ورغم ان ذلك من دواعي الفخر والاعتزاز للدمشقيين بمدينتهم العريقة التي يتفاخرون بها كل يوم وكل لحظة وبالكثير من المزايا التي يحدثونك عنها .الا ان الجواب على هذا السؤال بقي" لغزا " محيرا منذ مئات السنين وحتى اليوم ..
يزداد هذا العشق والاعتزاز في القيمرية ففيها خمسة أو ستة أماكن ل"سبيل" المياه . ودائما يكون أبردها ماء هو المكان المسمى (فيجة الكبس ) . وهي عبارة عن مكبس قديم للماء تحسبه مكبسا لماء البئر بينما هو مكبس لماء يأتي عبر أنابيب المياه ولا احد يدري أيضا لماذا مياه (فيجة الكبس) ابرد من بقية أماكن المياه لدرجة انك تحمل منها المياه إلى أماكن بعيدة وتبقى المياه باردة. وبإمكان المتذوقين التمييز بين مياه فيجة "الكبس" ومياه فيجة "الحنفية" أو مياه فيجة "ستي رابعة" (وهي بجوار مقام يقال انه للست رابعة العدوية في حارتنا ). وبين مياه فيجة "الفرن الصدراني" نسبة إلى فرن من الطراز القديم جدا للخبز يقع في صدر الشارع الرئيسي للقيمرية وهو مكان اصطنع بين أعمدة حجرية رومانية بنيت في عهد الرومان مرتفعة عدة أمتار إلى السماء وبين نوافذ وليوانات من اجل إعداد الخبز لجزء من سكان الحي حيث يوجد في هذا الحي عدة أفران لكل فرن مميزاته الخاصة تبعا لطريقة الخبز التي يتبعا كل منهم فهذا على "التنور" وذاك على "القش" والثالث على "الكاز" ...
كانت العائلة بجميع أفرادها تتحلق حول مائدة الطعام المستطيلة في "ارض الديار" وهي الفسحة السماوية في البيت العربي وكانت أوراق شجرة "الخميسة" توفر الظل لكامل البيت بجميع أجزائه نظرا لامتدادها هنا وهناك . وعادة لا تخلو المائدة في الصيف من شراب العرقسوس البارد والذي يصنعه أبو فاروق العرقسوسي و أحيانا يكتفى بإبريق الماء البارد .
لا أنسى.. بل واذكر دائما أمام الأصحاب والأهل والأولاد أن والدي -رحمه الله _كان معتادا ويحلو له أن يضع في فمه لقمة طعام على الغداء ويقول بصوت مسموع منا أنا واخوتي حيث كنا أيامها أربعة ..وبأسلوب حماسي يجعلنا نتنافس بحرارة :
من منكم يستطيع أن يذهب إلى فيجة الكبس ويملأ إبريق الماء منه ويعود قبل أن (أبلع) هذه اللقمة (ويشير إلى لقمة جهزها ويستعد لوضعها في فمه ) . وكنا نثب من أماكننا إلى الإبريق. ومن يصل إليه أولا ويمسك به يكون محظوظا لانه سينال رضى الأب . وهو من رضا الرب. ويسرع إلى فيجة الكبس( الأبعد) من فيجة الحنفية . ويملا الإبريق ويعود ليجد أن والدي لا يزال "يعلك اللقمة" ولم يبتلعها. وإذا أراد أن ينبهه إلى التأخير نجده قد" ابتلعها" وينزل بذلك الحزن والزعل على الذي ذهب وتأخر حسب موازين الوالد.. وقليلا ما كان أحدنا يملأ الإبريق من فيجة الحنفية الأقرب - كما كنا نسر لبعض فيما بيننا - ليعود بسرعة ولكن والدنا مجرد أن يشرب جرعة ماء واحدة يقول : هذا الماء ليس من فيجة الكبس بل من فيجة الحنفية. ويعترف صاحب الذنب بذنبه . ونضحك جميعا ونتساءل ونسأل الوالد: كيف يميز بين الماء من مكانيه ؟.
ويسرع أحدنا إلى فيجة الكبس ليعيد ملء الإبريق ...
نشرت بتاريخ 28-6-2007
كان الحر شديدا ذاك اليوم الصيفي من أيام حارتنا القديمة بمدينة دمشق والمسماة/ القيمرية/ أو ( الهند الصغيرة ) . رغم ما يعرف عنها من أنها منطقة باردة في المدينة . وهي حارة شعبية قديمة قريبة من المسجد الأموي الكبير الذي يتوسط مدينة دمشق القديمة عاصمة الدولة الأموية الذي حمل اسمه من اسمها ..والتي امتدت من( الهند الصغيرة ) إلى (الهند الكبيرة). فلهذا الاسم المختار لحارتنا معنى واسعا وهاما يذكر أهلها دائما بأمجاد التاريخ العريق الذي عاشته الحارة خصوصا عندما تسير في طرقاتها المتقاربة المرصوفة بالأحجار المربعة السوداء وبين بيوتها التي تتعانق مع بعضها وتتقارب من الأعلى وكأنها تتبادل القبلات .تحسب نفسك تعيش بجوار مركز الحكم الأموي الذي كان على بعد خطوات من بيتنا في الحارة والذي تحول إلى سوق للذهب ثم أحيط بسياج وترك على حاله اثر الحريق المفتعل الذي شهده سوق الذهب القديم في الستينات من القرن الماضي.
وضع في عدد من تقاطعات الطرق في الحي " سبيل" للماء يسمى/ الفيجة / وبإمكان المرء أن يشرب منه ماء باردا في أي وقت يشعر فيه بالعطش . ويتساءلون في كل مرة بعد ارتوائهم عن سبب برودته الطبيعية والمحيرة حقا .. ففي أي وقت تأخذ منه الماء حتى في أحر أيام الصيف تجده باردا كالثلج . ورغم ان ذلك من دواعي الفخر والاعتزاز للدمشقيين بمدينتهم العريقة التي يتفاخرون بها كل يوم وكل لحظة وبالكثير من المزايا التي يحدثونك عنها .الا ان الجواب على هذا السؤال بقي" لغزا " محيرا منذ مئات السنين وحتى اليوم ..
يزداد هذا العشق والاعتزاز في القيمرية ففيها خمسة أو ستة أماكن ل"سبيل" المياه . ودائما يكون أبردها ماء هو المكان المسمى (فيجة الكبس ) . وهي عبارة عن مكبس قديم للماء تحسبه مكبسا لماء البئر بينما هو مكبس لماء يأتي عبر أنابيب المياه ولا احد يدري أيضا لماذا مياه (فيجة الكبس) ابرد من بقية أماكن المياه لدرجة انك تحمل منها المياه إلى أماكن بعيدة وتبقى المياه باردة. وبإمكان المتذوقين التمييز بين مياه فيجة "الكبس" ومياه فيجة "الحنفية" أو مياه فيجة "ستي رابعة" (وهي بجوار مقام يقال انه للست رابعة العدوية في حارتنا ). وبين مياه فيجة "الفرن الصدراني" نسبة إلى فرن من الطراز القديم جدا للخبز يقع في صدر الشارع الرئيسي للقيمرية وهو مكان اصطنع بين أعمدة حجرية رومانية بنيت في عهد الرومان مرتفعة عدة أمتار إلى السماء وبين نوافذ وليوانات من اجل إعداد الخبز لجزء من سكان الحي حيث يوجد في هذا الحي عدة أفران لكل فرن مميزاته الخاصة تبعا لطريقة الخبز التي يتبعا كل منهم فهذا على "التنور" وذاك على "القش" والثالث على "الكاز" ...
كانت العائلة بجميع أفرادها تتحلق حول مائدة الطعام المستطيلة في "ارض الديار" وهي الفسحة السماوية في البيت العربي وكانت أوراق شجرة "الخميسة" توفر الظل لكامل البيت بجميع أجزائه نظرا لامتدادها هنا وهناك . وعادة لا تخلو المائدة في الصيف من شراب العرقسوس البارد والذي يصنعه أبو فاروق العرقسوسي و أحيانا يكتفى بإبريق الماء البارد .
لا أنسى.. بل واذكر دائما أمام الأصحاب والأهل والأولاد أن والدي -رحمه الله _كان معتادا ويحلو له أن يضع في فمه لقمة طعام على الغداء ويقول بصوت مسموع منا أنا واخوتي حيث كنا أيامها أربعة ..وبأسلوب حماسي يجعلنا نتنافس بحرارة :
من منكم يستطيع أن يذهب إلى فيجة الكبس ويملأ إبريق الماء منه ويعود قبل أن (أبلع) هذه اللقمة (ويشير إلى لقمة جهزها ويستعد لوضعها في فمه ) . وكنا نثب من أماكننا إلى الإبريق. ومن يصل إليه أولا ويمسك به يكون محظوظا لانه سينال رضى الأب . وهو من رضا الرب. ويسرع إلى فيجة الكبس( الأبعد) من فيجة الحنفية . ويملا الإبريق ويعود ليجد أن والدي لا يزال "يعلك اللقمة" ولم يبتلعها. وإذا أراد أن ينبهه إلى التأخير نجده قد" ابتلعها" وينزل بذلك الحزن والزعل على الذي ذهب وتأخر حسب موازين الوالد.. وقليلا ما كان أحدنا يملأ الإبريق من فيجة الحنفية الأقرب - كما كنا نسر لبعض فيما بيننا - ليعود بسرعة ولكن والدنا مجرد أن يشرب جرعة ماء واحدة يقول : هذا الماء ليس من فيجة الكبس بل من فيجة الحنفية. ويعترف صاحب الذنب بذنبه . ونضحك جميعا ونتساءل ونسأل الوالد: كيف يميز بين الماء من مكانيه ؟.
ويسرع أحدنا إلى فيجة الكبس ليعيد ملء الإبريق ...
نشرت بتاريخ 28-6-2007
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق