رضوان
كنت أشعر -كلما مررت في المنطقة التي يقيم فيها - أن علي أن أزوره وأسال عن أحواله وأستمع إلى حديثه الذي تشعر من خلاله بعودة الأمل وابتسامة الحياة . انه يشعرني دائما بان الحياة تستحق أن يعيشها الإنسان مهما انعكست معه الظروف وجاورته الخطوب. عندما يلمحني قادما إليه من بعيد يتحفز كعادته الأولى التي عرفته بها قبل اكثر من ثلاثين عاما . وكأن شيئا لم يحدث طوال هذه السنوات . يجلس مثبتا على كرسي متحرك يقوده بمهارة أينما يشاء ويوقفه حيثما يريد دون أية مشقة . البداية كانت عكس ذلك كان يجد صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الكرسي الذي كان يسميه( اللعين) . الا انه يسميه هذه الأيام ( الصديق) الوفي أو الخل الوفي . وهو الاسم الذي كان يحلو له أن يناديني به كلما جئته في زيارة : (أهلا بالخل الوفي ). حتى قبل ذاك اليوم المشؤوم الذي أقعده على هذا الكرسي الصديق ؟.كانت له عبارات متميزة وكأنها خاصة به يكثر من استخدامها لدرجة إذا سمعتها من غير ه تقول في نفسك إنها كلمات/ رضوان / أو أن /رضوان / كان هنا ونقلوا عنه هذه الكلمات .
تعرفت على رضوان عندما كنت اعمل في الجهاز المركزي للإحصاء في دمشق وكان بعمل نفس العمل الذي كنت أقوم به .لم يكن شخصا صعبا . ولا تحتاج إلى مقدمات للحديث معه. وبسرعة تعرفنا على بعض وبصورة أسرع أصبحنا أصدقاء . وبصورة اكثر سرعة أصبحنا لا نفارق بعضنا كثيرا . فعدا عن ساعات الدوام الرسمية التي تمتد حوالي ست ساعات ؛ كنا نلتقي بعد الدوام . وازدادت الصداقة أكثر فأكثر عندما سافرنا معا إلى حلب ومنها إلى دير الزور والقامشلي والحسكة والمالكية في مهمة للتعداد الزراعي عام1 197.؛ حيث -وكما يقال _ أن الصديق يكتشف على حقيقته في السفر
ذات ليلة كان القمر بدرا والطقس صحوا حيث يحلو لأهل مدينة دمشق السهر في باحات بيوتهم والتي تسمى أيضا أرض الديار أو الفسحة السماوية والتي يعتني بها الدمشقيون بوضع نافورة مائية في منتصف ارض الديار ويتفننون في شكل النافورة وأشكال الأحواض المزروعة التي يحيطونها بأمكنة جلوسهم للسهر حتى ساعة متأخرة وكذلك بألوان المصابيح الكهربية الموزعة على عريشة العنب أو الدالية أو على الخميسة وهي شجرة تشبه دالية العنب ولكن بدون ثمار .. كثيرة الفروع تشتهر بها البيوت الدمشقية ..وهي ذات أوراق خماسية الشكل غزيرة الانتشار بحيث تؤمن الظل للبيت بكامله من غزارة فروعها وامتدادها هنا وهناك حيث تفرد أغصانها على شكل حبال قد يصل طول الواحد منها إلى أربعين أو خمسين مترا ورنما إلى مائة متر .
كان مع عائلته يتبادلون الأحاديث والأفكار في التبليغ الذي تسلمه والده اليوم بشان مراجعة رضوان شعبة التجنيد للالتحاق بالجيش في الوحدة التي عمل فيها أثناء الخدمة الإلزامية حيث أعلنت الدولة الاستنفار واستدعاء الاحتياط وكأن في الجو شيء ما !!. .كنت ليلتها أمر من المنطقة التي يقيم فيها ولا يمكنني الا أن أزوره ولو لخمس دقائق فهذا عهد عاهدته عليه . وطرقت الباب
و أدخلت إلى غرفة اعرفها طالما دخلت إليها كثيرا قبلا .."أهلا بالخل الوفي" كانت كلماته الأولى لي مرحبا واتبعها بالقول : سمعت "يا " بلغونا للاحتياط وكلما طلبونا نذهب لإضاعة الوقت ولكن هذه المرة أشعر أن هناك عمل جدي علينا القيام به وسأسلم نفسي للشعبة صباح الغد وأنت عليك إبلاغهم في العمل بذلك حتى لا يوقفوا راتبي.. -وتدارك - أهلا وسهلا بك ما هي أخبارك وأين كنت في هذا الوقت في حارتنا ؟..
مرت عدة اشهر كنت خلالها أطرق الباب وأسأل عن رضوان ويقال أنه غير موجود وأنه لا يزال في الجيش ولم (ينزل ) بعد ..وحتى اليوم .. وتكرر ذلك العديد من المرات تعبيرا عن التزامي له بان أزوره كلما مررت من المنطقة التي يسكن فيها .
توقفت عن زيارته منذ أن أعلنت الإذاعة أننا نخوض حربا لتحرير أراضينا المحتلة والتي بدأت ظهر يوم السادس من تشرين الأول /اكتو بر 1973 - العاشر من رمضان وذلك خشية إثارة والدته أو اخوته عليه إذ ربما يكون سؤالي فرصة جديدة لمزيد من وساوسهم وهمومهم كأم وكإخوة ولم أعد حتى أمر من منطقته لأكون أكثر وفاء بوعدي .
ومرت أيام الحرب..وما بعدها ..شهر يجر آخر ..وسمعت أن رضوان أصيب في إحدى المعارك في الأراضي المحتلة التي دخلها مع رفاقه واستردوها في الحرب وأن إصابته كانت بالشلل الذي أقعده على المقعد المتحرك ..وعلمت أنه يسأل عني يريد أن يراني ..وأنا لم أذهب إليه لتأكدي من أنني لن أستطيع أن أتحمل رؤيته على هذه الحالة ..ورحت أتجاهل دعواته وسؤاله عني وأقول سأذهب فيما بعد.. ولم أذهب ..لم أكن وفيا لصداقته وكان يجب أن أذهب إليه وأتحمل منظرة برباطة جأش ولكنني لم أفعل ..
نشرت بتاريخ 4-5-2007
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق